اتفاق الصخيرات الليبي بين التحديات الداخلية والخارجية

 

خمس سنوات على الثورات العربية. العجز الفكري ومسألة السياسة

يواجه الاتفاق السياسي الليبي الذي تم توقيعه أخيراً في مدينة الصخيرات المغربية مخاطر متعددة، ترجع، في جزء منها، إلى السياق الدولي والظروف الإقليمية، لكنه، في الوقت نفسه، يرسي نقطة بداية للتسوية السلمية. وليست المشكلة في نص الاتفاق واتجاهاته السياسية، بقدر ما تتعلق بأزمة الثقة والتدخلات الخارجية، وهذا ما يثير النقاش بشأن اتجاهات الاتفاق، والتحديات التي تواجهه، وخصوصاً ما يرتبط منها بأزمة الثقة واحتمالات ظهور التحيّز والاستبعاد، بعد المضي في تنفيذه، وما يرتبط به من تدخل دولي، وصعوبة وقف إطلاق النار. 



اتجاهات الاتفاق


وقع الاتفاق بين "المؤتمر الوطني" ومجلس النواب في خطأ تأسيسي، فبينما يستمد مجلس رئاسة الوزراء شرعيته من "الحوار الوطني"، فإن المادة 4 من الاتفاق الصادر في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2015 نقلت هذا الاختصاص إلى مجلس النواب، في حالة خلو المنصب لأي سبب، ويمكن تفسير توجّه الاتفاق بالرغبة في الانتقال نحو المؤسسية، والانتهاء من مرحلة الحوار الوطني السريعة التغيّر. 


ويبدو الاتجاه العام للاتفاق، متمثلاً في اعتبار مجلس النواب والمؤتمر الوطني السلطة السيادية في المرحلة الانتقالية، وهذا ينطوي على مخاطر، يمكن أن تهدد استقرار المسار الانتقالي. ويمكن هنا النظر إلى ظاهرتين؛ تتعلق الأولى في دخول الجهتين في صراع لفترة طويلة نسبياً، يصعب معها وجود تجانس في العمل المشترك خلال الفترة المقبلة. وعلى الرغم من أهمية لقاء مالطا بين الرئيسين (نوري بوسهمين وعقيلة صالح)، فإن الظروف المحيطة بالاجتماع والضغوط الدولية تضعف فرص البناء عليه أساساً لمرحلة جديدة، تتطلب المزيد من التعاون، والمساهمة في صنع سياسات جديدة. 


تتمثل الظاهرة الثانية في ظهور انقساماتٍ في الجهتين التشريعيتين، بحيث يصعب اعتبار أي منها مؤسسة مستقرة. ففي الفترة الماضية، ظهرت مجموعات من الممثلين المنتخبين في المجلسين، تتصرف بدون اتباع القواعد الإجرائية، وقد ظهرت هذه المجموعات بشكل واضح في مجلس النواب، فبغض النظر عن مجموعة النواب المقاطعين، ظهرت مجموعاتٌ أخرى، أعلنت موافقتها على الاتفاق الليبي، وشارك بعضها في لقاءات تونس تحت عنوان "الحوار الليبي ـ الليبي" الذي تطور، في مرحلة لاحقة، ليكون تحت رعاية الأمم المتحدة. ولم يخل من هذه الظاهرة المؤتمر الوطني، وخصوصاً عندما وافق حزب العدالة والبناء على المسودة الرابعة، وقبلها بعض نوابه من دون الرجوع إلى رئاسة المؤتمر. 

ويمكن القول إن استمرار الجهتين، بمكوناتهما الحالية، سوف لا يساعد على استقرار الفترة الانتقالية، خصوصاً ما يرتبط بالتوافق على إشغال المناصب الخالية في مجلس رئاسة الوزراء. وكان متوقعاً تساوي سلطات مجلس النواب ومجلس الدولة في انتخاب أو اختيار، تأسيساً على مرجعية الحوار الوطني التي تمنح كل مشاركيه فرصاً وسلطات متساوية. 


وتعمّق المادتان (5 / 2، 6) التفاوت في ممارسة السلطة، حيث اختزلت قاعدة الإجماع في 

"اتجاه الأمم المتحدة إلى فرض الاتفاق، وتجاهل الشروط القانونية لتمثيل المؤسسات في الحوار هو بمثابة تفكيك لها واعتبارها غير قائمة"

رئيس مجلس الرئاسة، عندما منحته حق الاعتراض على اختيار عضوٍ جديد للمجلس، أو إقالة وزير، فقد اشترطت أن يكون الرئيس ضمن الموافقين على القرار، بغض النظر عن عددهم. وتتيح هذه المادة الفرص لتعطيل أعمال مجلس الرئاسة في حال ظهور خلافاتٍ بين أعضائه، وهذا التوجه يغيّر من المسودة السابقة، والتي كانت تشترط الإجماع لصدور قرار تعيين الوزراء أو إقالتهم، وبهذا المعنى، نقل الاتفاق شرط الإجماع إلى رئيس المجلس دون غيره من أعضاء المجلس. 


تبدو هذه التوجهات تقليدية ومقبولة، ولكن يمكن تطبيقها في ظروفٍ تحظى بمؤسسات قوية أو مستقرة، وليس كحالة ليبيا التي تشهد صراعاتٍ متناثرة، ومؤسساتٍ تفتقر للحد الملائم من التماسك أو التشكيل. وبالتالي، لا يُساعد تركيز السلطة في رئيس المجلس على تجاوز الفترة الانتقالية تحدياتٍ كثيرة، لعل أهمها تهيئة مناخ الثقة، واستيعاب القوى والأطراف خارج الاتفاق الليبي، وهناك احتمال بتعثر دور مجلس رئاسة الوزراء، إذا ما ظهرت بوادر تحيّز لمصلحة كيانات أو أحزاب سياسية. 


وفي ظل الاستعجال على توقيع الاتفاق، لم يتم تعديل المادة 17، والتي تنظم اجتماع لجنة مشتركة من مجلس النواب والمقاطعين، يعقد في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي (!)، وكذلك النص الخاص بانتهاء الهيئة التأسيسية من أعمالها في 24 مارس/ آذار 2016، ما يشير إلى أن تدقيق الاتفاق اقتصر على المواد المتعلقة بمجلس رئاسة الوزراء، وإلى تزايد الضغوط على أطراف الحوار لأجل التوقيع. 


معارضون ومؤيدون 


واجه الاتفاق الليبي معارضة رئيسي مجلس النواب والمؤتمر الوطني، وعدد من النواب، وكان التوافق بينهما على أولوية ملتقى تونس، فخلال اجتماعهما في مالطا، أعلنا عن تبني مخرجات "إعلان المبادئ" أساساً لتشكيل حكومة وفاق وطني، وتكوين لجان مشتركة لمناقشة أوجه الخلاف بين الجانبين، فضلاً عن مطالبتهما بتأجيل طرح أسماء مرشحي الحكومة، حتى حصولها على توافق من الأطراف الليبية. 


ولعل اجتماع مالطا يشكل عاطفة ودية بين الرئيسين، وهو لقاء حالت دونه عقبات وضغوط في الفترة الماضية، لكن انعقاده على هذا النحو يوضح مدى التهديدات التي تواجه الدولة، ويوضح أيضاً حجم الانقسامات داخل السلطات الرئيسية في الحوار الوطني، فإن اتجاه الأمم المتحدة إلى فرض الاتفاق، وتجاهل الشروط القانونية لتمثيل المؤسسات في الحوار هو بمثابة تفكيك لها واعتبارها غير قائمة، وهذا السلوك من البعثة الدولية يشجع على مزيد من الانقسامات، ما يعزّز العقبات التي تحول دون الالتزام بالجدول الزمني للاتفاق، ويكرّر تجارب المراحل الانتقالية السابقة. 


وقبل توقيع الاتفاق، اعتبر رئيس المؤتمر الوطني، نوري بوسهمين، أن توقيع الاتفاق السياسي 

"حزب العدالة والبناء اعتبر الاتفاق "لحظة تاريخية"، تساعد في إنهاء الأزمات والمعاناة"

في الصخيرات، "باطل وخارج إطار الشرعية"، وذلك في كلمته في "المؤتمر"، وركّز فيها على عدم تفويض ممثليه في الحوار بالتوقيع، سواء بالأحرف الأولى، أو بالتوقيع النهائي، أو بعقد اتفاقات، وهو موقف رئيس مجلس النواب، وبالتالي، تكون ليبيا أمام تأزم شرعية مؤسسات الفترة الانتقالية، إذا ما استمرت الأمم المتحدة في فرض الاتفاق، وبشكلٍ يؤدي إلى زيادة تعقيد المشهد السياسي. ويرجع رفض رئيسي "النواب" و"المؤتمر" الاتفاق السياسي إلى زيادة الضغوط الدولية، وإصرار البعثة الدولية على "فرض الاتفاق".

 
كما ذهبت "دار الإفتاء الليبية" إلى أن تجاوز الانقسام السياسي يتطلب توافق رئيسي مجلس النواب والمؤتمر الوطني، أساساً للخروج من الأزمة، ورأت أن التوقيع على اتفاق الصخيرات جاء من جهة غير شرعيةٍ لا تمثل الليبيين، وأن ما يترتب على التوقيع لا يرتب آثاراً قانونية، ويشير البيان، بشكل خاص، إلى المشاركين في الحوار، سواء  كانوا من أعضاء المؤتمر والبرلمان غير المفوضين بالتوقيع، أو المشاركين الآخرين في الحوار الوطني، ومن ثم، يفقد الاتفاق شرعيته السياسية، ويؤدي إلى الفوضى والفساد. ولذلك، دعت "دار الإفتاء" إلى مراجعة الاتفاق، وإبرام غيرِه. وفي هذا السياق، تخلص إلى أن الاتفاق جاء محملاً بضغوطٍ، يترتب عليها مزيد من الاضطرابات.


وحظي الاتفاق الليبي بموافقة حزبي تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، وإن الأساس المشترك لموقفهما، يكمن في أن توقيع الاتفاق مرحلة في طريق الاستقرار ووقف الحرب. وقد أشار إلى هذا التوجه حزب التحالف في بيان بعنوان "بيان ونداء" الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2015، شرح فيه أن توقيع مجلس النواب وموافقته سوف يجنب البلاد خطراً جسيماً، ليس أقله "تشظي" المجلس وانقسامه، وأن النظر للاتفاق لا يكون من وجهة المكاسب والمخاسر الجهوية، أو المناطقية أو القبلية أو الشخصية، فالاتفاق يتضمن عيوباً، لكنه يرسخ شرعية مجلس النواب والعملية السياسية. كما تناول حزب العدالة والبناء، وفق بيانه في 19 ديسمبر/ كانون الأول، اتفاق الصخيرات، من وجهة أنه الحل الممكن في الظروف الحالية، ويمثل خطوةً في بناء الدولة وصياغة الدستور، واعتبر الاتفاق "لحظة تاريخية"، تساعد في إنهاء الأزمات والمعاناة. وهناك سبب آخر يفسر موافقة الحزب على الاتفاق، يتعلق بأنه يقطع الطريق على المتشددين من كل الأطراف، ويشير، خصوصاً، إلى أن استمرار الاعتداءات على بنغازي محاولة لعرقلة التوقيع على الاتفاق، كما أن الاستغراق في التفاصيل سوف يزيد الخلافات والانقسامات. 


وتبدو مواقف التحالف و"العدالة" أكثر تقارباً من أي وقت مضى، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة إسناد سياسي لحكومة التوافق، لعل الخلفية التي شكلت موقف "العدالة والبناء" ترجع إلى اعتبار الأطراف الدولية أن المسودة المعروضة هي الصيغة الوحيدة لإدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، وهو ما يرفع سقف الضمانات الدولية تجاه ليبيا، وبالنظر إلى قرار مجلس الأمن حول اتفاق "الصخيرات" يتضح أن "العدالة والبناء" اقترب من قراءة الموقف الدولي بشكل صحيح. فقد تضمّن القرار التأكيد على حكومة التوافق شرعية وحيدة، وتحظى بالشرعية الدولية، فيما يتضمن القرار فرض عقوباتٍ على معارضي الاتفاق، ما يشكل حالة من ترقّب الفوضى. 


لكن من المتوقع مواجهة تحديات، منها أن عدم حصولهما على الأغلبية في مجلس النواب 

"نجاح الاتفاق يتوقف على قدرة الحكومة على التصدي للمشكلات الأمنية والاقتصادية"

سوف يشكل عقبة أمام الحكومة، وهذا ما يعد جزءًا من التحديات التي تواجه الاتفاق، خصوصاً معارضة كل الأطراف الأخرى، سواء من الأحزاب السياسية أو القبائل، فنجاح الاتفاق يتوقف على قدرة الحكومة على التصدي للمشكلات الأمنية والاقتصادية. فبغض النظر عن قبول تشكيلات كثيرة مسلحة الاتفاق، فإن اعتراض رئيس مجلس النواب و(الفريق) خليفة حفتر الذي عيّنه مجلس النواب بشكل أحادي قائداً عاما للجيش، يعكس القلق على الدور السياسي في المستقبل، فمن جهة يرتبط عقيلة صالح بخلفيات جهوية تتطلع إلى طرح الفيدرالية حلاً سياسياً للسلطة والثروة في ليبيا، كما أنها تشكل كتلة مؤثرة في مجلس النواب، وهي، بشكل عام ترى أن "التحالف الوطني" سوف يكون الجهة الأكثر تأثيراً على الحكومة.

 
وكان "إعلان مبادئ" تونس قد شكّل واحدة من النقاط الخلافية بين السياسيين الليبيين، لكنه لم يستمر طويلاً، فكما اعترضت عليه البعثة الأممية، باعتباره صادراً عن مجموعة صغيرة من أعضاء مجلس النواب والمؤتمر الوطني، فقد اعترض عليه أيضا 92 عضواً في مجلس النواب، وأقروا بأن اتفاق الصخيرات يشكل أساس الحوار السياسي. وكان وجه الاعتراض متمثلاً في عدم عرض موضوع الحوار في تونس على المجلس. وهنا، يمكن ملاحظة أن مجلس النواب انقسم إلى ثلاث مجموعات، منها مؤيدة لحوار المغرب، وأخرى انخرطت في حوار تونس، أما الثالثة فهي النواب المقاطعون، وهي حالة سوف تقتضي إعادة تشكيل المجلس مرة أخرى. 


إصرار كوبلر على التوقيع 


وبينما امتنع مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، الألماني مارتن كوبلر، عن حضور اجتماع مالطا، كان حريصاً على مقابلة خليفة حفتر باعتباره قائداً للجيش، على الرغم من أن قرارات مجلس النواب سوف تكون محل مراجعة، بعد اجتماع كامل أعضائه، لكن الجوانب القانونية تقل أهميتها في وقت الأزمات السياسية، فإزاء تعقّد المشهد قبل التوقيع النهائي، اعتبر كوبلر أن التواصل مع حفتر، على الرغم من معارضته الاتفاق، أكثر أهمية من مقابلة أي من رئيسي "النواب" و"المؤتمر"، وهذا ما يمكن تفسيره في أنه، بعد الانقسامات التي ضربت المؤسستين، يبدو أن البعثة الأممية تتجه نحو الجهات التي تسبب قلقاً لتنفيذ الاتفاق. ومن هذه الوجهة، تسعى الأمم المتحدة لدمج حفتر في الاتفاق السياسي، وتطمينه على دوره في إعادة بناء الجيش في مقابل دعم الاتفاق. 


وتكمن الفكرة الأساسية التي يطرحها توقيع الاتفاق، بدون حضور أو تفويض رئيسي الجسمين التشريعيين، في تبني الأمم المتحدة ومؤتمر روما إطاراً جديداً يقوم على مشاركة الفاعلين السياسيين، وليس الاعتماد فقط على المواقع والمناصب الدستورية أو السياسية. وكان من الأولى، في هذه الحالة، التفكير في دمج المؤسستين (المؤتمر والنواب)، حتى تتمكن ليبيا من إعادة تشكيل الكتل السياسية، وتقليل احتمالات انهيار أي منها في الفترة الانتقالية وتعثر أدائها. 


وبشكل عام، يمكن القول إن اهتزاز الثقة في المناخ السياسي سوف يترتب عليه أن تواجه ليبيا عامين من الجدل حول الوصول إلى نقطة الاستقرار، فالمرحلة الانتقالية الجديدة تحمل في طياتها اختلالات المراحل السابقة، وتعاني من غموض المستقبل. فعلى الرغم من الحشد الدولي وراء الاتفاق، والثقل السياسي لحزب التحالف الوطني، فإن هشاشة مؤسسات الدولة وسيولة مجلس النواب ومجلس الدولة تواجه انقسامات اجتماعية وعسكرية، تتطلب توافر مناخ للمصالحة الوطنية والمعالجة السريعة لملف الأمن ودمج المسلحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

اترك تعليقا

استطلاع رأي !

ما رأيك في موقعنا الجديد !

مرئيات

انضم لقائمتنا البريدية

للأعلي