بيانات "الإخوان" ومشكلات الفكر والحركة....د. خيري عمر

يبدو أن انهماك جماعة الإخوان المسلمين في شؤونها الداخلية سوف يظل أهم ملامح المرحلة المقبلة، وهو ما يعود إلى انخفاض سقف التوقعات بحدوث طفرة أو تغير فكري أو معرفي في المدى المنظور، فكما تتراكم المشكلات التنظيمية، تكشف أزمة البيانات أخيرا عن مدى النضوب المعرفي والسياسي.
فقد صدر عن الجماعة ثلاثة بيانات متباينة خلال وقت قصير للغاية (27– 30 مارس/ آذار 2017)، فضلاً عن تصريحات أخرى، حملت في طياتها تناقضات فكرية واستقطابات تنظيمية، بحيث يمكن القول إنه ليس لدى الجماعة سياسة واضحة ومستقرة، فبالنظر إلى التقارب الزمني، ظهرت مؤشراتٌ على طرح الأطر المرجعية للنقاش، وخصوصاً ما يتعلق بالموقف من القمة العربية، والمشاركين فيها، وأيضاً الموقف من الوضع السياسي في مصر.
لا تقتصر التباينات فقط على تقييم نظرة "الإخوان" إلى السياسة المصرية، ولكنها اختلفت حول النظر للقضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل، ولا يرتبط هذا النمط من الخلافات فقط بالمنازعات التنظيمية، ولكنه يعكس جوانب خطرة من التشوش الفكري، فالمشكلة هنا لا ترتبط بالخلاف حول ديباجة الخطاب الموجه إلى القمة العربية، وإنما في الانقسام حول الموقف من النظام المصري والصراع العربي الإسرائيلي، ما يشير إلى تناقضات داخلية، ترتبت على غياب المساهمات الفكرية على مدى عقود لا يكفي "الاعتذار" لمعالجتها، حيث تبدو انعكاساً لمشكلاتٍ بنيويةٍ ظلت محل جدل فترات طويلة .
وعلى الرغم من أنه من اللافت ظهور تباين في الموقف السياسي، لم يكن اختلاف منظور البيانات الثلاثة للعلاقة مع الدول العربية والحكومة المصرية، الجانب الأكثر أهميةً في الجدال حول التوجهات السياسية، لكن ما هو أكثر أهميةً هو حالة التشظي وتضاؤل القدرة على قراءة التغيرات السياسية التي تحدث على المستوى الإقليمي، فلم تُبد القمة العربية اهتماماً، سواء بالتطلعات البروتوكولية للإخوان أو تصريحاتهم "الثورية"، كما أن الجدل لم يشكل مسألة رأي عام أو محور مناقشات لأطراف أخرى.
وفي سياق التراجع عن بيان 27 مارس/آذار، كانت ثمّة إشارة إلى تفسير استخدام "دولة  

إسرائيل" بأنه جاء محاولة للتقارب مع القمة العربية، ما يعني أن صياغة البيان كانت على وعي بحقيقة المفردات التي تطلعت إلى استخدامها للمرة الأولى. وهنا، يمكن تناول "الاعتذار" تعبيراً عن حالة قلقة تجاه التغيرات السياسية التي تواجه الجماعة، وأن هذا القلق جاء في سياق عاملين؛ التباس الهدف السياسي من البيان الموجه إلى القمة العربية، وتزايد الانتقادات واتساع نطاقها، وبالتالي، يمكن اعتبارها غير ناضجةٍ لتجديد المنظور السياسي لتناول قضية مستقرة في أدبيات الجماعة، لكنها تطرح أسئلةً مهمةً عن وضع هذه القضايا للنقاش مرة أخرى، وإعادة تقييم المواقف السابقة على ضوء الأوضاع الراهنة.
ولعل من الملاحظ أن الاستقطابات الداخلية تترافق مع تفكيك علاقات التبعية، في إطار عملية تحول سوسيولوجي. تتم تحت مظلة تعدّد شبكات التواصل، سوف تساهم في تغييرالأنماط التقليدية للصورة الذهنية لدى الأفراد عن "القيادة"، لا يرتبط ذلك بالحراك الاجتماعي والسياسي فقط، لكنه يعود إلى تفاقم مشكلات الجماعة وقصورها عن تقديم أطروحات جديدة على مستويي؛ الدعوة والسياسة، وهي حالة تتقارب مع المرحلة المتأخرة لانقسامات الجماعة الإسلامية، في عقد التسعينيات.
وعلى الرغم من شدة الجدل حول النزاع الداخلي، لا يوجد تصنيف واضح للانقسامات الداخلية، فمحدودية الاختلاف على تناول الجماعة للسياسة في مصر تشير إلى أن الشؤون الداخلية تشكل الملمح الرئيسي للخلاف، فيما تغلب المقولات التقليدية والميراث الراكد حول "القضايا الإسلامية" على الخطاب السياسي، من دون مراعاة التغيرات السياسية التي حدثت على مدى سبعين عاماً، فالمشكلة التي يطرحها البيان الموجه إلى القمة العربية هي في نشره بشكل مفاجئ، من دون إيضاحات فكرية، وهو نمط يشكل الإطار العام لتناول الشؤون السياسية. 
ما كشفه مقال للكاتب الإسلامي، عزّام التميمي، وتعليقات له، عن حالة من الفوضى الإدارية،  

وتأتي أهميتها في أنها ترافقت مع صدور هذه البيانات التي أثارت جدلاً بشأن ارتباك مواقفها الفكرية، كما ظهر في مضامين البيانات. وقد أشار التميمي إلى حالة خاصة مؤشراً على هذه الفوضى. وبغض النظر عن تحديد هوية الشخص المقصود، مثالاً على العشوائية التنظيمية، فإن هذه الحالة وغيرها مثيرة للتساؤل بشأن كيفية تصدّي جماعة الإخوان لقضايا إصلاحية كبرى، وتصدر المشهد السياسي في مصر وغيرها بهذا المستوى من الفلتان، وهذا ما يفسّر جوانب من استمرار الأزمة الممتدة مع الحكومة المصرية.
ما يشير إليه بعض تقارير المخابرات الأميركية من وجود تشكك في مصداقية جماعة الإخوان والتزامها بالعهود، وأنها تشكل خطراً بعيد المدى على الولايات المتحدة، يمكن تفسير خلفية نتائج التقارير الأميركية جزئياً من خلال أيديولوجية "الإخوان" المناهضة للغرب، لكن على الرغم من إدراك البلدان الغربية مخاطر هذه الأيديولوجية، تسعى الجماعة إلى التقارب مع الحكومات الغربية، لكنها لم تتمكّن من الانخراط في حوار مع الحكومات المصرية لأجل إعادة تعريفها كياناً سياسياَ أو اجتماعيا، وليس مشكلة أمنية. وبجانب هذا التناقض، تشكل الإشارات المتكرّرة إلى سعي الجماعة إلى حل مشكلات ليبيا وسورية واليمن وغيرها مصدر قلق لدول كثيرة، فالمشكلة هنا ليست في الخطاب الأممي، ولكن في الإصرار على نمط تقليدي لحركة سياسية عابرة للحدود، ولا يراعي طبيعة الدولة القومية.
حتى الوقت الراهن، لا يتوفر لدى "الإخوان"، بتقسيماتهم المختلفة، أطروحة عن خياراتهم في المستقبل القريب، ويبدون أكثر اهتماماً بالاستحواذ على الجماعة. وبغض النظر عن مدى القدرة على المراجعة والمحاسبة عن الفترة الماضية، تفيد هذه الاختلالات بأن حركة الإخوان لم تكن على استعداد أو مؤهلة لإدارة مرحلة تحول ديمقراطي، وخصوصاً في ظل الافتقار للقواعد المعيارية والديمقراطية الداخلية. وتعكس هذه النماذج مدى الارتباك التنظيمي والفكري، وبشكلٍ يضعف الثقة في "الإخوان" طرفاً مؤهلاً للتعامل السياسي، حيث إن انفراط عملية اتخاذ القرار يجعلها أقل قدرة على اختيار وجهتها السياسية، خصوصا أنها تمر بحالةٍ لا تمكّنها من اتخاذ قرارات استراتيجية.

المصدر: العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

39 تعليقات

  • Ralph

    Ralph - الجمعة، 06 تشرين1/أكتوير 2017

    I was curious if you ever thought of changing the page layout of your site?

    Its very well written; I love what youve got to say.
    But maybe you could a little more in the way of
    content so people could connect with it better.
    Youve got an awful lot of text for only having one or 2 images.
    Maybe you could space it out better?

    ابلاغ
  • Thaddeus

    Thaddeus - الجمعة، 06 تشرين1/أكتوير 2017

    Hi! This is kind of off topic but I need some advice from an established blog.
    Is it difficult to set up your own blog? I'm not very techincal but I can figure things out pretty quick.
    I'm thinking about making my own but I'm not sure where to begin. Do you have any ideas or suggestions?
    Appreciate it

    ابلاغ
  • Sergio

    Sergio - الجمعة، 06 تشرين1/أكتوير 2017

    It's an remarkable paragraph designed for all the web visitors;
    they will get benefit from it I am sure.

    ابلاغ
  • Lanny

    Lanny - الثلاثاء، 03 تشرين1/أكتوير 2017

    Why visitors still use to read news papers when in this technological globe all is accessible on web?

    ابلاغ
  • Marguerite

    Marguerite - الثلاثاء، 03 تشرين1/أكتوير 2017

    When I originally commented I clicked the "Notify me when new comments are added" checkbox and now each time a
    comment is added I get four emails with the same comment. Is there any way you can remove people from that service?
    Thanks!

    ابلاغ
  • Donnell

    Donnell - الإثنين، 02 تشرين1/أكتوير 2017

    I've been exploring for a little bit for any high-quality articles or weblog posts on this kind of space .
    Exploring in Yahoo I finally stumbled upon this site.
    Studying this info So i'm satisfied to exhibit that I've an incredibly just right uncanny
    feeling I found out just what I needed. I such a lot certainly
    will make sure to do not omit this site and give
    it a glance regularly.

    ابلاغ
  • Lucille

    Lucille - الإثنين، 02 تشرين1/أكتوير 2017

    Hi, yup this post is really nice and I have learned lot of things from it on the topic of blogging.
    thanks.

    ابلاغ
  • Lorrie

    Lorrie - الإثنين، 02 تشرين1/أكتوير 2017

    This website was... how do I say it? Relevant!! Finally I've found something which helped me.

    Thank you!

    ابلاغ
  • Samuel

    Samuel - الإثنين، 02 تشرين1/أكتوير 2017

    I loved as much as you will receive carried out
    right here. The sketch is attractive, your authored subject matter stylish.
    nonetheless, you command get bought an nervousness over that
    you wish be delivering the following. unwell unquestionably come
    more formerly again as exactly the same nearly very often inside case you shield this increase.

    ابلاغ
  • Adan

    Adan - الجمعة، 29 أيلول/سبتمبر 2017

    Hey I know this is off topic but I was wondering if you knew of
    any widgets I could add to my blog that automatically tweet my newest twitter updates.
    I've been looking for a plug-in like this for quite some time
    and was hoping maybe you would have some experience
    with something like this. Please let me know if you run into anything.
    I truly enjoy reading your blog and I look forward to your new updates.

    ابلاغ

اترك تعليقا

استطلاع رأي !

ما رأيك في موقعنا الجديد !

مرئيات

انضم لقائمتنا البريدية

للأعلي