اليمن: سياسات متعارضة ومسارات ملتبسة...... د. هود محمد قباص أبو راس

تشهد المنطقة العربية مرحلة مفصلية في التحول وخاصة بعد ثورات الربيع العربي 2011 فقد قامت تلك الثورات بإرادة شعبية مباشرة وغير مباشرة ولكن الإرادة المباشرة غلبت الإرادة الخارجية غير المباشرة وسرعان ما انقلب الغرب على إرادة الشعوب وقام بتلغيم تلك الثورات بعيونه وجواسيسه واستدعى عملاءه من دول وأنظمة ومنظمات وهيئات وشخصيات إلى النفير العام لإسقاط تلك الإرادة الشعبية التي لم تكن على ما أراده المستعمر وأدواته المنفذة في عالمنا العربي.

فأشعل الحرب الأهلية في سوريا وسكت عنها وتركها تأتي على الأخضر واليابس، وأشعل الحرب الأهلية في ليبيا، وجاء بخليفة حفتر المتقاعد في أمريكا، وشارك في انقلاب مصر وفرض الحكم العسكري، وأيد الحوثي لإسقاط الدولة في اليمن، بمباركة من الأمم المتحدة، وتحت رعاية ما سُمي "بالمبادرة الخليجية".

 

أولاً، اليمن: سياسات متعارضة:

المشهد السياسي في اليمن ازداد تعقيداً بعد مشاركة قوات التحالف العربي المنقسم على نفسه في أهدافه واستراتيجياته ما بين مؤيد ومعارض وساكت في تحرير اليمن، فأما المؤيد لتحرير اليمن من الحوثي فقد كانت السعودية هي المتصدره وفقاً لأيدولوجيتها القائمة على محاربة التشيع  ولكنها انقسمت على نفسها ما بين مؤيد لحسم المعركة في اليمن ليكون البديل "الشرعية الضعيفه بقيادة هادي"، ومشاركة الإخوان المسلمين في الحكم بصورة ضعيفة، وما بين معارض لحسم المعركة في اليمن حتى يتم إبعاد الإخوان المسلمين-الإصلاح- عن المشهد تماماً، وهذا هو رأي تيار الدولة العميقة في السعودية، أو اضعافهم وتقزيمهم وإبقاء جزء من قوات الحوثي وصالح كقوة موازية لمواجهتها وردعها في يوم من الأيام.

وقد تم جزء كبير من ذلك بإضعاف الإخوان سياسياً وعسكرياً ومحاصرتهم حتى في أماكن النفي الإجباري في فنادق الرياض، أو في الميدان، وتم شراء ولاءات عدد كبير من المشايخ والشخصيات لضمان التبعية للسعودية؛ وتم إجراء عدد من الزيارات والمحادثات السرية وغير السرية بين المملكة وبين صالح من جهة والحوثي من جهة أخرى وقد كان ذلك في سلطنة عمان أو ما صرح به وزير خارجتها، وتم التأكد من أن اليمن لن تشكل أي تهديد عسكري للمملكة.

أما الإمارات فقد كان لديها أهداف أساسية من التحالف، أولها يتمثل في الهدف الاقتصادي القائم على وضع الاحتياطات اللازمة لإيقاف ميناء عدن حتى لا يكون بديلاً عن دبي ولا يتم ذلك إلا بعد ترسيخ انفصال الجنوب عن الشمال، بعد إضعاف أكبر الكيانات المتواجدة في الجنوب وهم الإصلاح والمؤتمر، وتأسيس جيش جديد موالي للإمارات من الفقراء والبدو في المناطق الجنوبية أو ما يسمى بالعصبة الحضرمية، والقيام بإجراء تصفيات لجميع الخصوم في الجنوب، وعلى رأسهم الإصلاح والسلفيين, وإنشاء العديد من السجون والمعتقلات لتعذيب الناس وتخويفهم, وممارسة الضغوط المباشرة على الشرعية بفرض تعيينات في السلطة المحلية والقيادات العسكرية من الشخصيات الموالية لها ومن ذلك جميع محافظي المحافظات الجنوبية.

 

ثانياً، اليمن: مسارات ملتبسة:

في إطار هذه السياسات المتعارضة تبرز مجموعة من المسارات الملتبسة للطرفين الفاعلين في المشهد اليمني خلال المرحلة القادمة، ومن بين هذه المسارات:

1ـ بالنسبة للسعودية:

السيناريو الأول: قيام السعودية بدعم وتقوية شخصيات من المؤتمر موالية لها، مع شخصيات قبلية وعسكرية وتمكينها من الحكومة الشرعية، أي تكوين ما يمكن تسميته "مؤتمر شعبي بديل".

السيناريو الثاني: إجراء مصالحة بين السعودية والحوثي تضمن فيها عدم بقاء صالح كشخص مؤثر وإضعافه عبر الحوثي وإضعاف قيادات المؤتمر الموالية لصالح، وتقوم السعودية بفرض تلك المصالحة على الشرعية المتمثلة في هادي في العودة إلى صنعاء تحت إشراف التحالف لأشهر معدودة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تشكيل مجلس رئاسي انتقالي ليس فيه هادي.

2ـ بالنسبة للإمارات:

لم يعد أمامها إلا إعلان الانفصال في جنوب اليمن -بموافقة سعودية بنفس عام1994-وقتل وسحل كل معارض يقف أمام مشروعها الانفصالي وضمان حل الأحزاب الموالية للإخوان، أما في الشمال فإنها تمارس الضغط لإعادة أحمد علي عبد الله صالح بقوة للمشاركة في الحكم.

وفي مقابل سيناريوهات الفاعلين الإقليميين، يبقى السيناريو الأهم وهو الذي يلعب عليه الحوثي مع أجندته التي يعمل لها بقبول الصلح وإقناع السعودية بأن الحرب بينهم وبين الحوثي لا علاقة لها بالأيديولوجية المتعلقة بمحاربة المد الشيعي الإيراني، والعمل على تحويلها إلى حرب حدودية يمنية سعودية على جازان ونجران وعسير وهنا يكسب المشروع الحوثي الإيراني ثقة أبناء اليمن للقتال معه.

 

ختاماً:

مع كل ما سبق فإن أي تسوية سياسية دون الرجوع إلى المؤتمر والإصلاح أكبر حزبين فاعلين في اليمن ستفشل كونهما يمتلكان قاعدة تنظيمية صلبة في كل مناطق اليمن، وهما صمام أمان البلد برغم كل ما في قيادتهما من السوء في الإدارة والضعف في القيادة والارادة واتخاذ القرار المناسب زماناً ومكاناً. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

62 تعليقات

  • Max

    Max - الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

    Hello I am so delighted I found your weblog, I really found you by error, while
    I was looking on Aol for something else, Nonetheless I am here now
    and would just like to say kudos for a fantastic post and a
    all round thrilling blog (I also love the theme/design), I don’t have time to look over it all at the minute
    but I have saved it and also included your RSS feeds, so when I
    have time I will be back to read more, Please do keep up the excellent b.

    ابلاغ
  • Kristi

    Kristi - الثلاثاء، 17 تشرين1/أكتوير 2017

    Marvelous, what a blog it is! This web site presents valuable data to
    us, keep it up.

    ابلاغ
  • Wilbert

    Wilbert - الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017

    This is a topic that is close to my heart... Thank you!
    Exactly where are your contact details though?

    ابلاغ
  • Frederick

    Frederick - الإثنين، 16 تشرين1/أكتوير 2017

    Wow that was odd. I just wrote an really long comment but after I clicked submit my comment
    didn't show up. Grrrr... well I'm not writing all that
    over again. Anyways, just wanted to say superb blog!

    ابلاغ
  • Darci

    Darci - السبت، 14 تشرين1/أكتوير 2017

    If you are going for most excellent contents like myself,
    simply go to see this site all the time since it gives feature contents,
    thanks

    ابلاغ
  • Anke

    Anke - السبت، 14 تشرين1/أكتوير 2017

    Greetings! Very useful advice within this article! It's the little changes which
    will make the largest changes. Thanks a lot for sharing!

    ابلاغ
  • Shad

    Shad - الجمعة، 13 تشرين1/أكتوير 2017

    Your way of telling the whole thing in this piece of writing is really pleasant, all can easily be aware of
    it, Thanks a lot.

    ابلاغ
  • Katrin

    Katrin - الجمعة، 13 تشرين1/أكتوير 2017

    These are really fantastic ideas in on the topic of blogging.
    You have touched some pleasant points here.

    Any way keep up wrinting.

    ابلاغ
  • Kayleigh

    Kayleigh - الجمعة، 13 تشرين1/أكتوير 2017

    Very nice post. I just stumbled upon your weblog and wanted to say that I've truly enjoyed browsing your blog posts.
    In any case I will be subscribing to your rss feed and I hope you write again very
    soon!

    ابلاغ
  • Colby

    Colby - الجمعة، 13 تشرين1/أكتوير 2017

    great publish, very informative. I'm wondering why the other experts of this sector do not understand this.
    You should continue your writing. I am confident, you have a great readers' base already!

    ابلاغ

اترك تعليقا

استطلاع رأي !

ما رأيك في موقعنا الجديد !

مرئيات

انضم لقائمتنا البريدية

للأعلي