ما ينبغي قوله عن "المصالحة" الفلسطينية .... د. سعيد الحاج

كتِبَ الكثيرُ وقيل أكثر عن الاتفاق الأخير بين حركتي فتح وحماس برعاية القاهرة، والحقيقة أنه يستحق كل ذلك وأكثر سيما على سبيل البحث والتحليل والاستشراف باعتباره حدثاً مهماً وله تداعياته على مجمل المشهد الفلسطيني.

بيد، عبّرت الكثير من الكتابات عن الأمنيات والأحلام والرغبات أكثر من الوقائع والحقائق والمنطق، بمعنى أنها كتبت ما "يحب" الجمهور قراءته لا ما "يحتاج" لقراءته، مع عدم إغفال عدد لا بأس به من الكتابات والآراء الرصينة التي لم تتخل عن الموضوعية في سبيل التفاؤل وبقيت محافظة على أمانة الكلمة.

ولئن كانت الساعات والأيام الأولى بما تضمنت من تصريحات إيجابية وقاطعة من بعض المسؤولين الفلسطينيين من أسباب المبالغة في التفاؤل، فإن تأخر مخرجات الاتفاق حتى الآن ينبغي أن يكون مسوغاً كافياً لمحاولة وضع الأمور في نصابها.

إن أول ما ينبغي قوله هو أن ما حصل حتى الآن بعيد جداً عن فكرة "المصالحة" بين التنظيمين الأكبر على الساحة الفلسطينية وأقرب إلى معنى تنازل حركة حماس عن حكم قطاع غزة وتسليمه للسلطة/فتح، وما دون ذلك فهو داخل ضمن ما يسمى التحليل الرغبي غير المستند إلى الواقع.

ومما ينبغي قوله أيضاً أن تأخر تجميد/إلغاء رئيس السلطة محمود عباس لإجراءاته العقابية على قطاع غزة - وليس حماس بالمناسبة - يشي بنوايا غير طيبة بخصوص هذا المسار، ويوحي بأن الرجل قد أرغم نوعاً ما على الاتفاق ولم يكن يريده، أو أنه يستشعر - حقيقة أو انطباعاً - أن حماس تتنازل له عن السلطة عن ضعف وتأزم وبفعل عقوباته، وبالتالي فهو يريد الاستمرار بها لتحصيل المزيد من التنازلات.

وينبني على هذا شيء مهم ينبغي على كل صاحب رأي أو قلم أن يقوله، وهو أن الطرفين - حماس وفتح - ليسا متساويين في هذه العملية. فالأولى قد قدمت ما عليها وأكثر وتبدو بالغة الحرص على إتمام العملية حتى نهايتها، بل وصدر عن بعض قياداتها تعابير في هذا الصدد انتـُقِدوا عليها، بينما لا يبدو عباس وحركة فتح في عجلة من أمرهم ليس لإتمام مصالحة حقيقية ينتظرها الشعب الفلسطيني ولكن لرفع "العقوبات" عن الموظفين والمرضى وعموم سكان غزة.

ورغم أن الكثيرين يذهبون إلى أن حماس تفعل ما تفعل مضطرة، وبغض النظر عن مدى وجاهة هذا الطرح بالنظر إلى عدم اختلاف الاتفاق الأخير كثيراً عن سابقيه من حيث المضمون، إلا أن ذلك لا يقلل من قيمة ما قدمته حتى الآن وما تبدو مصرة على فعله مستقبلاً، في حين يصمُّ أبو مازن أذنيه عن معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع، ولعله يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من أن الكثير من الانسدادات في القضية الفلسطينية تبدو على جدول انتظار غيابه عن الساحة السياسية.

رفع واشنطن وتل أبيب "الفيتو على المصالحة" بين فتح وحماس كما رأى الكثيرون، ينبغي أن يدفع للتفكير ملياً في أسبابه إن كان دقيقاً. ولكنني أظن أن ما رفع هو الفيتو على تسلم السلطة في غزة لإبعاد حماس عنها وليس القبول الكامل لمسار المصالحة بين الطرفين.

أخيراً والأهم، ما هي معايير نجاح هذا المسار؟ ومتى نقول إن المصالحة الفلسطينية قد تمت فعلاً؟ أعتقد أن ثمة معياران أحدهما للبداية والآخر للنهاية.

فمعيار البدء في مسار مصالحة حقيقية هو مسارعة السيد محمود عباس إلى رفع كافة العقوبات عن قطاع غزة وإلزام وزراء حكومته باستلام الوزارات بجدية وبدء تسيير أمورها فعلياً، بل وزيارة القطاع تعبيراً عن وحدة الجغرافيا الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال في غزة والضفة.

وأما معيار إتمام المصالحة فبلورة مشروع وطني فلسطيني جامع لكل الفصائل والقوى والتيارات والشخصيات الفلسطينية، مشروع يتبنى التحرير ويعتمد على المقاومة بكل أشكالها ويلتزم بحماية الثوابت وصون الحقوق الفلسطينية ومواجهة المشروع الصهيوني.

فما أضر القضية هو انقسام المشاريع السياسية التي أعاقت التحرير، وما انتظره الشعب ويطالب به ليس المحاصصات السياسية تحت سقف أوسلو، ولا مجرد تأمين الغذاء والدواء للفلسطينيين (على أهمية ذلك)، ولا جمع الفصائل الفلسطينية المختلفة على غير مشروع التحرير.

إن مشكلة الفلسطينيين - والمنطقة - الأكبر والأبرز والأخطر هي الاحتلال، وما بقي هذه الاحتلال قائماً فلا يمكن أن تكون حياتهم طبيعية، والحديث عن الرفاهية والسعادة والعيش الكريم وفرص العمل تبقى مصطلحات نسبية في حالة الاحتلال ولا يمكن أن تكون بذاتها أهدافاً للشعب الفلسطيني ولا برنامجاً لفصائله وقواه.

إن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني هو تحرير أرضه ودحر المشروع الصهيوني، وكل ما دون ذلك يبقى مجرد أهداف فرعية أو مرحلية ما دامت تخدم الهدف النهائي الرئيس، وحين تجتمع القوى الفلسطينية على هذا الهدف والبرنامج ساعتها - وساعتها فقط - يمكن أن نتحدث عن مصالحة حقيقية، تصلح أن تكون رافعة لمشروع التحرير، وإلا فلا كانت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

4089 تعليقات

  • Veola Schnabel

    Veola Schnabel - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    Many thanks for sharing this very good post. Very inspiring! (as always, btw)

    تبليغ
  • Celena Crew

    Celena Crew - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    I have to get across my passion for your kind-heartedness in support of persons that really want assistance with this particular niche. Your special dedication to passing the solution all around appeared to be exceedingly beneficial and have all the time enabled some individuals much like me to achieve their goals. Your new invaluable facts entails a lot a person like me and much more to my colleagues. Thank you; from each one of us.

    تبليغ
  • Dixie Khazdozian

    Dixie Khazdozian - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    Just proves the aged adage. Its an ill wind that blows no great. You fail to overlook the crucial position.

    تبليغ
  • Laurene Hallock

    Laurene Hallock - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    Nice post. I understand some thing harder on diverse blogs everyday. Most commonly it is stimulating to study content using their company writers and rehearse something from their store. I’d would rather use some with the content on my weblog whether you do not mind. Natually I’ll supply you with a link on your web blog. Thanks for sharing.

    تبليغ
  • Wiley Holms

    Wiley Holms - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    Just a smiling visitant here to share the love (:, btw outstanding style .

    تبليغ
  • Cole Hughley

    Cole Hughley - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    There is evidently a bundle to know about this. I assume you made certain nice points in features also.

    تبليغ
  • Valentine Zetino

    Valentine Zetino - الجمعة، 16 تشرين2/نوفمبر 2018

    I enjoy your work , regards for all the informative posts .

    تبليغ
  • Lavina Staires

    Lavina Staires - الخميس، 15 تشرين2/نوفمبر 2018

    Thank you for making the honest attempt to discuss this. I feel very strong about it and would like to learn more. If it’s OK, as you gain extra in depth knowledge, might you mind adding more articles very similar to this one with more information? It would be extraordinarily useful and useful for me and my friends.

    تبليغ
  • risk pharmacy merchant account solutions

    risk pharmacy merchant account solutions - الخميس، 15 تشرين2/نوفمبر 2018

    Several communities possess singles groups which set about enjoyable breast implants aventura things to do mutually, and this also can be is a good choice courting approach. Situations for instance riding a bike, bowling, curling, video hours, dance in addition to humor golf equipment will be arranged from the singles group, also it enables the evenly-distributed number of people to obtain a great in addition to informal night. With focus applied the actual task per se as an alternative to building a intimate relationship, it will require a great deal of pressure off the singles and sites take place a lot more obviously around such a location.

    تبليغ
  • merchant account payment gateway

    merchant account payment gateway - الخميس، 15 تشرين2/نوفمبر 2018

    I view something really special in this internet site .

    تبليغ

رأيك في الموضوع

للأعلي