دراسة العلاقات الدولية: النطاق والمجال ...د. عصام عبد الشافي

د.عصام عبدالشافي

هناك صعوبة فى الاتفاق على نطاق محدد بدقة لأى مجال من مجالات المعرفة الإنسانية، وخاصة الاجتماعية، ومنها مجال العلاقات الدولية، فهناك تغير دائم فى بؤرة وأساليب التحليل نظرا للاختلاف بين رؤية وأهداف المحللين من تناول ظواهر محددة، وكذلك وجود تغير دائم تتعرض له الظواهر موضع البحث، ومن هنا كان طبيعياً أن نجد مجال العلاقات الدولية يتسم بالتغير الدائم، حيث تغيرت وحداته الأساسية، وتطورت مستويات وأولويات المشاكل التي تهتم بها هذه الوحدات فى علاقاتها الخارجية، هذا فضلا عن التنوع الكبير وزيادة كثافة هذه العلاقات مع اتساع نطاقها الجغرافي لتشمل العالم أجمع.

وعلى الرغم من هذا التغير، فقد رصد كارل دويتش، في كتابه "تحليل العلاقات الدولية"، ما أطلق عليه المحاور الإثنا عشر الجوهرية فى دراسة العلاقات الدولية، والتي تتمثل، وفقاً له، فيالأمة والعالم، العمليات الأممية والتكافل الدولي، الحرب والسلام، القوة والضعف، السياسة الدولية والمجتمع الدولي، سكان العالم مقابل الغذاء والموارد والبيئة، الرخاء والفقر، الحرية والقمع، الإدراك الحسي والوهم، النشاط والفتور،الثورة والاستقرار، الذاتية والتحول.

وفى كل محور من هذه المحاور، أثار دويتش العديد من التساؤلات، واستناداً لهذه التساؤلات، وما تثيره من قضايا، اتجه البعض إلى التمييز فى إطار نطاق دراسة العلاقات الدولية، بين عدة اتجاهات أساسية، وذلك على النحو التالي:

الاتجاه الأول: يركز على وحدات تحليل العلاقات الدولية:

حيث يرى أنصار هذا الاتجاه أن العلاقات الدولية ترتبط بالعلاقات بين الدول فقط فمازالت الدولة تمثل حتى الآن، وبالرغم من تعدد الفاعلين الدوليين، الوحدة الأساسية التي ترجع إلى سياستها كل الأحداث والتطورات على الساحة الدولية.

إلا أن هذا الاتجاه تعرض للعديد من الانتقادات، كان مرجعها ما يلي:

1ـ ما تتعرض له هذه الدول من حيث العدد والنوعية من تغيرات على مر التاريخ، كالتغير الذي طرأ على خريطة العالم منذ الحرب العالمية الأولى ووصل إلى أقصاه مع بداية ستينات القرن العشرين، حيث وصلت موجة التحرر القومي إلى قمتها، وظهر عدد كبير من الدول الحديثة على الساحة الدولية. ثم التغير الذي حدث منذ بداية تسعينيات القرن نفسه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والنظم الشيوعية فى شرق أوربا، وصولاً إلى موجة التحولات في الخريطة العالمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي طالت عدداً من الدول العربية، مثل السودان والعراق وسوريا وليبيا واليمن، ونالت من مكانة الدولة ودورها، بل ومن قيمة وجودها.

2ـ الطبيعة المعاصرة للمجتمع الدولي التي يتزايد فيها الارتباط والتداخل بين السياسات الداخلية والسياسة الخارجية، على نحو جعل من تحليل هذه العلاقات الارتباطية واحدة من أبرز اهتمامات دراسة العلاقات الدولية وهذا الوضع يفسح المجال للاهتمام بوحدات أخرى يمكن اعتبارها من الفاعلين الدوليين: ومنها على سبيل المثال بعض المؤسسات والمنظمات والجماعات الداخلية مثل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط والأقليات.

3ـ أن تطور المجتمع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية أبرز دورا متميزا للفاعلين من غير الدول، مثل المنظمات العالمية (مثل الأمم المتحدة)، والمنظمات الإقليمية (مثل منظمة حلف شمال الأطلنطي والجماعة الأوربية الاقتصادية، ومنظمة الوحدة الأفريقية، أو الاتحاد الأفريقي فيما بعد، وجامعة الدول العربية)، وجميعها تعكس محاولات لإقامة تجمعات تتعدى حدود الدولة القومية التي أصبحت تواجه تحديات هائلة، وتمارس هذه المنظمات العالمية والإقليمية دورا هماما فى العلاقات الدولية المعاصرة لا يمكن إنكاره أو إهماله جنبا إلى جنب مع قوى دولية أخرى مثل الشركات المتعددة الجنسيات.

4ـ أن التفاعلات عبر القومية، بين الفواعل الدولية المختلفة (الدول، المنظمات، الشركات، الحركات، الأفراد) لم تعد تضع اعتبارا للحدود القومية بين الدول بل تتخطاها، وهذه العلاقات تنطلق من الاعتراف بأن فكرة الحدود بين الدول لم تعد تلائم الحقائق الجديدة فى العلاقات الدولية المعاصرة وأهمها تزايد أشكال "الاعتماد المتبادل" بين أعضاء النظام الدولي.

الاتجاه الثاني: يركز على مستويات تحليل العلاقات الدولية:

ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الربع الأخير من القرن العشرين، شهد العديد من التطورات فى دراسة العلاقات الدولية، والتي جاء معظمها كرد فعل ضد المنهاج التقليدي الذي ينظر إلى الدولة كفاعل وحيد فى المجال الدولي، حيث برز التركيز على العنصر البشرى والجماعات الداخلية، من ناحية، وكذلك الاهتمام بالمنظمات الدولية وغيرها من القوى العالمية أو عبر القومية (مثل الشركات المتعددة الجنسيات)، من ناحية أخري.

الاتجاه الثالث: التوفيقي:

رغبة فى تضيق الفجوة بين مستوى التحليل الذى يهتم بالفرد والمستوى الآخر الذى يهتم بالدولة ككيان مجرد، اهتم فريق ثالث بوحدات أخرى أكثر شمولا، مثل النظام السياسي الدولي أو النظام السياسي الدولي الإقليمي، وأصبح الاختيار بين المستوى الجزئي والكلى للتحليل موضع حوار ونقاش كبير فى نطاق علم العلاقات الدولية، وفى هذا الإطار برزت عدة مستويات لتحليل الظاهرة الدولية، وهو ما انعكس في العديد من المفاهيم التي أصبحت محلاً للاهتمام بين الباحثين والمهتمين بعلم العلاقات الدولية، ومن ذلك مفاهيم: "السياسة الخارجية"، "التفاعلات الدولية"، "النظام السياسي الدولي"، "النظام الإقليمي".

إلا أن هذا التقسيم تم النظر إليه باعتباره ليس إلا منهجاً أو إطاراً لتصنيف وحدات ومكونات العلاقات الدولية، وتبسيط دراستها وتحليلها، حيث يسمح هذا الإطار بالتعرف على أبعاد الظاهرة الدولية ومن ثم اختيار أحدها كبؤرة للتحليل. ويتدرج هذا التقسيم الثلاثي من المستوى البسيط "سلوك الدولة الواحدة" إلى مستوى أكثر تعقيداً، أي التفاعل بين دولتين وأكثر، ثم محاولة معالجة الإطار الكلى للأحداث والعمليات الدولية والذي يجمع بين كل أعضاء النظام الدولي، ولكن مع مراعاة أن الحدود الفاصلة بين هذه المستويات الثلاثة ليست جامعة.

فالدولة لا تضع سياستها تجاه دولة ما بالنظر إلى إمكانات وقدرات تلك الأخيرة فقط، ولكن بالنظر إلى طبيعة وبنية وهيكل النظام الدولي ككل، ونظرا لأن كل دولة هي جزء من هذا النظام الدولي، فإن لسياستها الخارجية تداعيات من شأنها التأثير على هذا النظام.

ومن هنا تعددت المحاولات النظرية والتأصيلية للربط بين الدراسات حول هذه المستويات التحليلية، أو بمعني أدق بين هذه الاتجاهات الفكرية في تحليل مجالات ونطاقات دراسة العلاقات الدولية، انطلاقا من الاعتراف والاهتمام بطبيعة التداخل والتفاعل بين هذه المستويات على أساس أن فهم هذه العلاقات لا يكتمل بالتركيز على مستوى واحد فقط، بل تحليل كل هذه المستويات.

ومع هذه الأهمية لهذه الرؤية الكلية، فإنه أمام تعدد وتعقد وتشابك الظواهر التي يتناولها علم العلاقات الدولية بالدراسة والتحليل، وأمام صعوبة الإلمام بها والتحكم التحليلي في مسارات تطورها، أصبح من المنطقي بل والطبيعي أن يتجه الباحثون، تحليلياً، إلى التركيز على أحد هذه المستويات، سعياً نحو مزيد من العمق في التحليل، وتعاطياً مع التطورات الراهنة في علم العلاقات الدولية، دون أن يعني ذلك تجاهل تأثيرات المستويات الأخرى، أو العمل على الإشارة لتأثيراتها المتبادلة، وتداخلاتها وتفاعلاتها المستمرة.

قراءات إضافية:

(1) كارل و. دويتش، تحليل العلاقات الدولية، ترجمة محمود نافع، (القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1982)، ص 15 ـ 18.

(2) د. نادية محمود مصطفي، مدخل في دراسة نظرية العلاقات الدولية، مذكرات غير منشورة، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1992)، ص 8 ـ 11.

لقراءة الملف PDF

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

5907 تعليقات

تسجيل الدخول لنشر تعليق

استطلاع رأي !

ما رأيك في موقعنا الجديد !

مرئيات

انضم لقائمتنا البريدية

للأعلي