معركة حلب ..... هل ستكون معركة مصير؟ .... د. سامي عبد الهادي

  ازداد يوماً تلو الآخر الترويج لمعركة حلب الكبرى التي يتكلم عنها طرفي الصراع في سورية، النظام وحلفائه من جهة، وقوات الثورة السورية من جهةٍ أخرى، وكلٌّ يسعى لحسم معركة السيطرة على حلب لما لهذه السيطرة من أهمية على مستقبل الصراع الدائر في سورية منذ أكثر من خمس سنوات، حيث تعد معركة حلب المنتظرة معركة مصير لكل طرف باعتبار أن ما بعد حلب الكبرى ليس كما قبلها، فهل ستكون فعلاً معركة مصير؟

   اليوم تنطلق معركة حلب الكبرى بإعلان قوات الثورة السورية نيتها تحرير كامل حلب المدينة، وليس فقط فك الحصار عن الأحياء الشرقية المحررة. وهو ما يعني، إذا تحقق ذلك، ضربة قاصمة للنظام السوري وحلفائه المساندين له، وفي مقدمتهم روسيا وإيران، وهنا يمكن أن نبيّن بعض النقاط المهمة في معركة حلب وأهميتها لكلا الطرفين.

   تمثل حلب أهمية كبرى على أصعدة عدّة، لا يمكن أن نجدها في مكان آخر من سورية، فهي تحتل أهمية تاريخية وجغرافية وسياسية واقتصادية وعرقية، وحتى عسكرية، فعلى الصعيد التاريخي تعدّ حلب أقدم مدن العالم المأهولة، وقد شهدت خلال تاريخها المديد الكثير من الحروب والاضطرابات في العهود كافة، ورغم ذلك كانت تنفض عنها غبار الحروب وثقل الاحتلال، وتستعيد قوتها ومكانتها في المنطقة، لقد كانت البوابة التاريخية لكل العابرين إلى المنطقة من دول وشعوب وأقوام، كما كانت مفتاح دول المنطقة إلى أوروبا وآسيا.

   وعلى الصعيد الجغرافي، تحتل حلب موقعاً جغرافياً متميزاً، كان تاريخياً يشكل محور طرق التجارة الدولية، ومنها طريق الحرير، واليوم حلب بموقعها هذا تجاور العديد من الدول المؤثرة في المنطقة (تركيا والعراق) وحتى إيران التي تعدّها صلة الوصل لمد نفوذها من العراق إليها شمالاً، مما يعني ذلك منافستها لتركيا في السيطرة على هذه المنطقة.

   وعلى الصعيد الاقتصادي فإن ّحلب هي عاصمة الاقتصاد السوري، والمدينة الثانية بعد العاصمة دمشق من حيث الأهمية، وتتركز فيها معظم رؤوس الأموال السورية، وحتى الصناعة والتجارة، والسيطرة على حلب تعني السيطرة على نحو نصف الاقتصاد السوري، وهو ما يعني الكثير لمن يبسط سيطرته على هذه المدينة.

   أما على صعيد التنوع العرقي والقومي والديني في حلب، فيمكن القول أنها أكثر منطقة سورية تحوي تنوعاً كبيراً، لا نجده في مكانٍ آخر، فمن الناحية الدينية يوجد المسلمون السنة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة للمدينة، ويتواجد فيها المسيحيون على مختلف فئاتهم (كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت وأرمن وغيرهم). ومن الناحية القومية يشكل العرب الأغلبية الساحقة كذلك، كما يوجد الأكراد والأرمن والشركس والعديد من القوميات والأعراق الأخرى.

   كل ذلك ينعكس على الأهمية السياسية التي تشكلها السيطرة على حلب، وهو ما تسعى إليه جميع الأطراف داخلياً وخارجياً.

   إنّ خارطة السيطرة المعقدة اليوم في حلب وريفها تظهر الأهمية القصوى لجميع الأطراف التي تحاول السيطرة على هذه المدينة وريفها، فتركيا تريد إبعاد تنظيم الدولة عن حدودها الجنوبية من جهة، والقضاء على حلم الأكراد بإقامة كيان كردي متصل من شرق سورية إلى غربها، يكون كذلك متاخماً لحدودها الجنوبية التي يتواجد فيها من الجانب التركي أكراد تركيا أيضاً، لذلك أعلنت دخولها سورية من بوابة حلب شمالاً في معركة أسمتها "درع الفرات"، وقد نجحت إلى حد كبير في السيطرة على أجزاء واسعة من ريف حلب الشمالي، ولا يزال التقدم مستمراً للسيطرة على مدينتي الباب ومنبج، وما يمكن أن يطرأ بعدها من خطط جديدة للسيطرة والتوسع في أماكن أخرى.

أما إيران وروسيا، حليفي النظام الأبرز، فهما كذلك يعملان لإنهاء تواجد الثوار في حلب ريفاً ومدينةً، وفي سبيل ذلك حشدت إيران آلاف المرتزقة الشيعة وغير الشيعة وبإسناد جوي روسي غير مسبوق، وارتكبوا الكثير من المجازر ضمن إطار سياسة الأرض المحروقة، رغم الاحتجاجات الإقليمية والدولية على هذا الإجرام بحق الشعب السوري في حلب، إلا أنّ هدفهم هذا لا يزال بعيد المنال حتى اليوم في ظل المقاومة العنيفة التي تبديها قوات الثورة السورية، ورفضهم المطلق الخروج من المدينة، على غرار ما حصل في مناطق عدّة من سورية.

   لهذا يمكن القول ان حلب هي الميزان الذي سوف يرجّح كفة من يسيطر عليها، وهو ما يعني اقتراب حسم أهم المعارك في هذا الصراع، والذي بدوره سوف يؤثر على بقية المعارك في مناطق سورية المختلفة، لهذا ستكون المعركة اليوم معركة المصير فعلاً، ونتائجها على المنتصر كبيرة جداً، وعلى الخاسر سيئة جداً.

   نعم إنها حلب المصير، حلب المعركة الكبرى، أو كما يسميها الثوار حلب الملحمة الكبرى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Go to top