" العراق ما بعد داعش : المعالجات والاحتمالات المستقبلية"

يواجه العراق في مرحلة ما بعد داعش تحديات كبيرة على مختلف المستويات وذلك نتيجة لسيطرة تنظيم داعش على المحافظات العراقية لمدة تقارب ثلاث اعوام، وبالرغم من نجاح الحكومة العراقية من تحرير معظم المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الارهابي بمساعدة وتعاون التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية، بيد ان المحافظات المحررة  تواجه مجموعة تحديات ومشكلات على مختلف المستويات بسبب الانعكاسات السلبية التي افرزتها مرحلة داعش في العراق، والتي ادت الى تدمير البنى التحتية للمحافظات العراقية واستنزاف مواردها وامكاناتها الاقتصادية، الى جانب المشكلات التي ظهرت في الاطار الاجتماعي والمتمثلة بانتشار مظاهر العنف والتطرف والآثار والممارسات السلبية التي تؤدي الى التأثير في مستقبل التنشئة الاجتماعية وانهيار منظومة القيم الاخلاقية فضلاً عن انتشار البطالة والتخلف وتدهور المستوى التعليمي.

 وتمثل خلاصة النقاشات والدراسات التي تبلورت عند نخبة من الباحثين والمهتمين بالشأن السياسي المشاركين في الندوة العلمية  "عراق ما بعد داعش: المعالجات والاحتمالات المستقبلية" والتي تناولت عدة محاور منها مستقبل الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة والدور المستقبلي للحشد الشعبي في المحافظات المحررة ، ومستقبل الخيار الفدرالي في تلك المحافظات ، ويمكن القول ان الحشد الشعبي الذي تشكل بناءً على فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي بعد احتلال داعش للمحافظات العراقية والذي ظهر للوهلة الاولى على شكل مقاتلين متطوعين غير منتظمين، ثم ما لبث ان تحول الى مجموعة فصائل مسلحة مرتبطة بالأحزاب والمؤسسات والحركات السياسية الشيعية والذي اضحى فيما بعد مؤسسة حكومية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، من خلال تشريع صادر عن مجلس النواب يتيح له حرية الحركة والانتشار، ونتيجة لهيمنة احدى دول الجوار على المشهد السياسي العراقي فقد تمكنت من توظيف ذلك لتنفيذ مشروعها الاستراتيجي بإخضاع العراق كجزء اساسي من مد النفوذ الايراني الى المنطقة العربية والشرق الاوسط عبر ما اصطلح عليه "الهلال الشيعي" او "الحزام الجيوبوليتيكي"، فعلى الرغم من الجهود التي بذلت من مقاتلين الحشد الشعبي في تحرير المناطق المحتلة من قبل داعش، بيد ان ذلك لم يمنع التوجهات  الاستراتيجية الايرانية من توظيف ذلك لتحقيق عدة وظائف عسكرية وامنية واقتصادية، منها الاستغلال في عمليات التغيير الديموغرافي التي تجري في المناطق المحررة، الى جانب السيطرة على الطريق الحيوي الذي يربط النفوذ الايراني بسوريا من خلال منطقة النخيب ومنفذ الوليد دون المرور بالطريق الدولي الذي قطعه تنظيم داعش، فضلاً عن استعماله لتهديد الامن القومي السعودي عبر نشر قواته بالقرب من الحدود السعودية مع محافظة كربلاء واحكام طوق الحدود الشيعية التي تحاول ايران فرضه على السعودية من خلال حدود شيعية للسعودية من جهة اليمن واخرى من العراق.

اما فيما يتعلق بالجدل حول مستقبل الخيار الفدرالي في المحافظات المحررة فأنه يستمر مستقبلاً بسبب اصرار القوى السياسية في هذه المحافظات على المطالبة به بالرغم من الموقف الايراني الرافض التي تعبر عنه القوى السياسية الشيعية المهيمنة على القرار السياسي العراقي، فالمشروع وفقاً لوجهة نظر مؤيده لا يزال يجد دعماً شعبياً واسعاً من ابناء هذه المحافظات الذين واجهوا ويلات تنظيم داعش والحروب التي تلتها، فضلاً عن عدم ثقتهم بمصداقية الحكومة لفرض دعائم الامن والاستقرار في مرحلة ما بعد داعش، الى جانب وجود تعهدات اقليمية من دول عربية وخليجية وقوى دولية بمساعدة هذه المحافظات في عمليات الاعمار واعادة البناء، لاسيما في ظل سياسات الانفتاح العربية التي تحاول القوى العربية الفاعلة الدخول في المشهد السياسي العراقي لإحداث توازن مع التدخل الايراني – التركي في العراق، وعلى الجانب الاخر فإن الرفض الايراني لمشروع الاقليم السني يعود لمجموعة دوافع بعضها يتعلق بالعامل الجيوبوليتيكي لان الاقليم السني سيكون حاجزا طبيعيا عن حلفاء ايران في سوريا ولبنان، وعامل اخر يتعلق بالداخل الايراني لان منح السنة اقليم اداري خاص بهم يشجع النزعة الانفصالية لدى السنة والكرد في ايران ويحدث خللاً بينياً في الدولة الايرانية، فضلاَ عن عامل استراتيجي اخر يتمثل في محاولة ايران السيطرة على العراق بشكل كامل لان ايران تريد عراقاً ضعيفاً مفككاً وليس على شكل اقاليم اثنوغرافية يصعب السيطرة عليها.

اما فيما يتعلق بالانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية لسيطرة تنظيم داعش على المحافظات العراقية، فتظهر لنا مجموعة تحديات اجتماعية مركبة ومعقدة منها على سبيل المثال لا الحصر : (انتشار الفكر المتطرف – الارتداد عن الدين والمذهب – تغليب ثقافة العنف على الحوار- هجرة الكفاءات والنخب – الهجرات الجماعية – ظهور الجرائم والانحرافات في المجتمع – النزاعات العشائرية بين معارضي داعش والمتعاطفين معهم - تدني الثقافة المجتمعية – الفساد الاخلاقي وانهيار القيم والقدوات- انهيار التعايش السلمي- فقدان  الاقليات الثقة في الاندماج بالمجتمع ....... وغيرها)، وتظهر في الجانب الاخر انعكاسات وتحديات اقتصادية تتمثل في ( تدمير البنى التحتية – تغيير الوظائف الاقتصادية لبعض المحافظات مثل سرقة وتدمير مصفى بيجي والذي تتهم به جهات طائفية متنفذة - الخسائر في رأس المال البشري – صعوبات اعادة الاعمار – ارتفاع نسبة البطالة .....وغيرها)، ويمكن القول ان ابرز التحديات التي تواجه مستقبل امن واستقرار المحافظات المحررة هي مسألة الدوافع و المحفزات التي تساعد في ظهور تنظيم داعش من جديد، وليس المقصود تنظيم داعش نفسه، وانما بتسميات اخرى وانما ظهور  اجيال جديدة من الفكر التطرف في هذه المحافظات ومن الاسباب التي تؤدي الى ذلك : ((غياب روح التعاون وانعدام الثقة بين المدنيين والاجهزة الامنية - ضعف الولاء الوطني لدى الاجهزة الامنية- انتشار السلاح داخل المجتمع وتوزيعه لمجاميع وكيانات خارج ارادة المنظومة الحكومية- الاستمرار في تدوير شخوص العملية السياسية الفاسدين- ارتفاع معدلات البطالة والفقر والجوع- تصاعد معدلات الفساد المالي والاداري- ضعف دور المؤسسة الدينية ومؤسسات التربية والتعليم عن القيام بدورها في التوجيه والنصح والارشاد، وفي ترسيخ ثقافة التسامح وحب الوطن والولاء له - ضعف الدور الرقابي للمؤسسات الاعلامية، وتظليل اتجاهات الرأي العام وفقاً  لمصلحة الجهات التي تمولها- تهاون القضاء في محاسبة المجرمين والفاسدين والتستر على جرائمهم)) .

 

في المقابل تبرز ازاء ذلك مجموعة من التوصيات والمعالجات التي يجب ان تسهم في القضاء على هذه التحديات ومنها : (( ان ضرورات المرحلة القادمة تتطلب بروز قيادةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، تحمل فكر بناء دولة وتعمل على إرساء مفاهيمٍ سياسيةٍ جديدة، ولكي تنجح في عملها وتثبت صدق ولائها وانتمائها لمحفظتها، عليها ان تبتعد عن النزعة المصلحية وتعمل على تحشيد كل الطاقات وتكثف جهودها بالتنسيق مع الحكومة المركزية من اجل ان تحصد اكبر قدر من العوائد- المؤسسات الدينية والتعليمية والتربوية مطالبة بمضاعفة جهودها وتسخير كل طاقاتها من اجل زرع روح المواطنة وخلق روح الانسجام والتعايش السلمي بين اطياف مجتمع المحافظات المحررة- يجب ان تكون هناك خطط متكاملة وليست اقتراحات فقط وأفكاراً ترقيعية لإعادة بناء وتأهيل الدمار في المناطق المدمرة، لأجل الاستفادة من المبالغ وأن لا تدخل في ابواب الهدر والسرقات المالية وكسب ثقة الدول المحيطة في اعطائها لتلك المنح المالية-  ان يتم دمج الجهد الحكومي للوزارات مع القطاع الخاص بالإضافة الى الشركات الاستثمارية التي تدخل من قبل الدول المانحة لإعادة اعمار المناطق المتضررة- ضرورة تعاقد صندوق اعمار المحافظات المتضررة مع شركة دولية متخصصة في مجال تقييم الاضرار من اجل كسب ثقة الدول التي ستقوم بدعم العراق، لأن ارقام تلك الشركة ستكون دقيقة ومعتبرة لدى الجهات الدولية فضلا عن كونها جهة محايدة- ينبغي فسح المجال أمام ابناء المحافظات المحررة للانخراط في الاجهزة الامنية ولكي يمارسوا دور اكبر في عملية الحفاظ على امن واستقرار مدنهم. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

772 تعليقات

  • how to make a collage

    how to make a collage - الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

    It as nearly impossible to find educated people in this particular subject, but you seem like you know what you are talking about! Thanks

    ابلاغ
  • make an infographic

    make an infographic - الثلاثاء، 16 كانون2/يناير 2018

    Your article continually comprise much of really in the lead to date information. Everyplace accomplish you come cheery with this? Merely declaring you are vastly innovative. Thanks again

    ابلاغ
  • Tax Agent

    Tax Agent - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    It as actually a cool and helpful piece of info. I am glad that you shared this useful info with us. Please keep us up to date like this. Thanks for sharing.

    ابلاغ
  • facebook 5 Star Reviews

    facebook 5 Star Reviews - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    Im grateful for the article.Much thanks again. Want more.

    ابلاغ
  • Crowdfunding Media

    Crowdfunding Media - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    You got a very excellent website, Sword lily I noticed it through yahoo.

    ابلاغ
  • Fitness apparel

    Fitness apparel - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    I truly appreciate this blog article.Really looking forward to read more.

    ابلاغ
  • Escort in Toronto

    Escort in Toronto - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    Such runescape are excellent! We bring the runescape you will discover moment and so i really like individuals! My associates have got an twosome. I like This runescape!!!

    ابلاغ
  • 4 x 9 postcard printing

    4 x 9 postcard printing - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    IaаАа’б‚Т€ТšаЂаŒаАа’б‚Т€ТžаБТžm glad to become a visitor in this pure web site, regards for this rare information!

    ابلاغ
  • low carb

    low carb - الإثنين، 15 كانون2/يناير 2018

    There may be noticeably a bundle to find out about this. I assume you made certain good factors in options also.

    ابلاغ
  • Jerilyn

    Jerilyn - الأحد، 14 كانون2/يناير 2018

    pretty practical stuff, overall I consider this is worthy of a bookmark, thanks

    ابلاغ

اترك تعليقا

للأعلي