ما هي أهمية استفتاء إقليم كردستان العراق المزمع إجراؤه في 25 أيلول / سبتمبر الحالي ؟ وهل يلعبُ الاستفتاء  تأثيراً مهماً  على دول الجوار الإقليمي؛ ولا سيما  إيران ؟

            وهل تشكل مواقف الأطراف الإقليمية والدولية عاملاً داعماً لكردستان العراق للمضي في خيارها ؟ وما هي أوراق طهران إزاء ذلك ؟ .

             قاسم سليماني “رامبو إيران”  يزورُ أربيل عاصمة  إقليم كردستان العراق في 11 أيلول/ سبتمبر الحالي ببزته العسكرية،  نقلَ رسالة  ظاهرها الودّ وباطنها التهديد والوعيد نقلها مباشرة إلى رئيس الإقليم (مسعود بارزاني)، وأعضاء حزب الديمقراطي الكردستاني،  ثم التقى سليماني بأعضاء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وأعضاء حركة التغيير في السليمانية .

             أثار إعلان “حكومة إقليم كردستان” عن تاريخ الاستفتاء ردودًا فوريّة  وحازمة من عددٍ من كبار المسئولين الإيرانيين، ومن بينهم المرشد الأعلى آيه الله علي خامنئي ، والرئيس روحاني، ودخول كثيف  لقادة  عسكريين وأمنيين، حيث أجمعوا  على رفض إجراء الاستفتاء جملة وتفصيلاً، والتحذير من أنه قد  يؤدّي إلى تقسيم كل من سوريا وتركيا،  ويدخلُ المنطقة في حرب قد تمتدّ 20 سنة، حسب تصريحات أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني الجنرال (محسن رضائي ) .

           من هنا أبرقَ الجميعُ إرسال  تحذيرات مباشرة  إلى القيادة الكردية، وتحذرها من مغبة المضي في هذا الخيار .

  ما هو فحوى الرسالة الإيرانية حسب التسريبات الإعلامية الإيرانية ؟ :

          ركّزت طهرانُ على كليشيه سياسية مضمونها التأكيد  الإيراني على وحدة الأراضي،  وحرصها  على  أمن الدولة  العراقية  وتماسكها …،  بالمقابل الإصرار على رفض إجراء الاستفتاء الكردي جملة وتفصيلاً، واعتباره أحد أهم المخاطر التي تواجه العراق والمنطقة لما له من تأثير غير مسبوق على الأمن الإقليمي والدولي؛ خاصة أن طهران ترى أن القوى المعادية؛ وفي مقدمتها أميركا وإسرائيل تسعيان إلى تفتيت دول المنطقة، واستهدافها وفق رؤية إستراتيجية قائمة على إعادة هندسة الإقليم وتقسيمها .

            تجزمُ إيران أنّ إصرار كردستان العراق  إجراء هذا الاستفتاء سيُشكل أحد أهم مهددات الأمن القومي الإيراني، وسيؤدي إلى فوضى غير مسبوقة، لكنها بالمقابل قدّمت نفسها كوسيط موثوق لحلحلة الخلافات بينَ الإقليم، والعاصمة بغداد .

-حسابات وهواجس طهران :

             لا شك بأنّ  إيران  تتحسب من أن يشكّل تأسيس دولةٍ كردية مستقلة ناشئة في المنطقة نواة ونقطة انطلاق نحو تأسيس دولة كردستان الكبرى، والتي ستضم حتماً في نهاية المطاف أكراد إيران التي تُكن لهم دولة ولي الفقيهالعداء والسخط، وتحاول الانتقاص منهم، والحط من شأنهم، حتى  أنها لا تعترف بهم في مناهجهم المدرسية .

            تتحسبُ طهران  أن تصبح دولة  الأكراد الجديدة مهوى أفئدة أكراد إيران الساخطين على الدولة والثورة الإيرانية، والخشية من  أن تكون رافعة أساسية لإحداث اختلال ديموغرافي عراقي من شأنه تفكيك العراق، وتسريع انفصال  الجيب السني العراقي   الذين سيلقون الدعم والتأييد  من الدول العربية، مما سيختزل الدولة العراقية بجيب شيعي   ساخط  ومحاصر جغرافياً  وديموغرافيًا في الجنوب ، الأمر الذي سينهي معه  طموح طهران  وآمالها في تدشين الممر ” الكردوار الإيراني “ إلى غير رجعة . 

           ما يقلقُ طهران أيضاً  أنّ هناك حالة إجماع كردي بشأن  عملية الاستفتاء؛ بما فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده (مسعود برزاني)، ومما يزيدُ كذلك  من تحسب طهران  أن الحكومة التركية لا تشاطر طهران درجة مستوى المخاوف من الخطوات الكردية للاستقلال عن العراق.

             يعودُ جزءٌ  كبيرٌ من إحباط إيران إلى أنها كانت تراقبُ المواقف الإقليمية ، ولا سيّما العربية والدولية التي مارست دبلوماسية الصمت، أو إصدار البيانات الخجولة الحريصة على وحدة العراق، مما أوصل لصانع القرار السياسي والأمني الإيراني  إلى تأييد هذه  الدول ضمناً إلى  الاستقلال الكردي، وإنه قد آن الأوان لتدفع طهران ثمن سياساتها الطائفية  في العراق، ولتذهب إلى الجحيم .

            هناك ثابتان ومؤكد، فالثابت الأول :  أنه  لا بغداد ولا طهران تستطيعان القيام بعمل عسكري ثنائي الجانب ضد إقليم كردستان .

أما الثابت الثاني :  فإن خطوات بهذا الاتجاه ستدفعُ الأميركيين والروس وإسرائيل  وحتى الغرب للتدخل لمنع ذلك، أما المؤكد فإن هناك رسائل  وتحذيرات قد وصلت للحكومة العراقية والإيرانية بهذا الخصوص .

             لا شك بأنّ الاستفتاء الكردي المزمع إجراؤه  قد أربك  السياسة الإيرانية؛ لأنها كانت، ولا زالت تراهن أنه يندرج في إطار المناورة  والابتزاز السياسي،  ويبدو أنّ إيرانَ أخطأت في تقدير الموقف الكردي، في الوقت الذي لا تكف فيه طهران عن التهديد والوعيد بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يجري؛ لأنها تعلنُ بشكل واضح أن دويلة كردستان الناشئة ستسعى إلى نسج علاقات تحالفية عسكرية وأمنية  مع  تل أبيب ضد إيران، وستكونُ نقطة ارتكاز لإضعافها والتدخل في شئونها الداخلية .

خيارات طهران :

           طهرانُ كعادتها ستسعى إلى انتهاج  حروب الوكالة لتصفية حساباتها مع الخصوم والمنافسين، حيثُ لا يوجدُ هناك أدنى شك  في عدم قدرة طهران  للتورط  مباشرة في نزاع مع  الدولة الكردية الناشئة، لكن الاحتمال المرجح  أن تتوسل  إيران  بمحاولة نقل العنف والإرهاب، وتشجيع  تحريك خلاياها النائمة، ومحاولة  خلق نموذج فاشل  للدولة الكردية الناشئة، إلى جانب  تحريض الميليشيات الشيعية العراقية ضدّ “قوات البيشمركة الكردية”، خاصة أن سلاح الفتوى جاهزة، والتي تقوم أساساً على فكرة قدسية قتل الأكراد على اعتبار أنهم أعوان الشيطان، والذين سيشكلون عائقاً أمام إعادة ظهور إمام الزمان، وبعث رسالته من جديد .

          مجمل الخيارات الإيرانية ستكون مرتبطة بمتغيرين  مهمين :

-الأول : موقف واشنطن وموسكو وبرلين على اعتبار أنهم حلفاء مهمين للأكراد، وسيكون ضمانة أو حائط صد أمام السياسات العدوانية الإيرانية .

 -أما المتغير الثاني : فيتمثل بانعكاس السياسات الإيرانية على وضع أكراد الداخل في إيران   ، مما سيشكّل تحديًا لسلطتها،  واستقرارها وتماسكها ، وقد ينذر بانفجار داخلي إيراني غير مسبوق  .

            ونظرًا لأهمية الاستفتاء أيضًا على المستوى الدولي والإقليمي وتداعياته، فإن مسألة إجرائه  بالنسبة للإقليم  وفي هذا التوقيت بالذات، باتت قضية قومية كردية مركزية، و أصبح أمراً من الصعوبة بمكان تأجيله أو إلغائه أو حتى المساومة عليه، خاصة أنه بات حديث الساعة في كردستان العراق، وأكراد المنطقة، بحيث باتت سمعة القادة الأكراد في إقليم كردستان على المحك، وبات يُمثل معركة كسر عظم لمكاسرة الإرادات السياسية مع حكومة بغداد، في ظل  التراشق والتصعيد الإعلامي غير المسبوق  بين الطرفين؛  فالاستفتاء بالنسبة للأكراد ليس لإتمام عملية الانفصال عن العراق بقدر ما سيكون اقتناص للحظة تاريخية غير مسبوقة  لتحقيق حلم الأكراد الإقليمي ، في ظل ترحيب  رسمي عربي مبطن ، ليس حباً للأكراد؛ بقدر ما هو  نكاية في إيران .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم هذا العنصر
(0 تصويتات)

اترك تعليقا

استطلاع رأي !

ما رأيك في موقعنا الجديد !

مرئيات

انضم لقائمتنا البريدية

للأعلي