أ.د.فؤاد البنا – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

من المعلوم أن الثقافة الغربية هي أكثر الثقافات استعلاءً على الآخر الذي تصفه بأوصاف الهمجية والبربرية والتخلف، منذ عصور الإغريق والرومان، وصولا إلى احتكار الخلاص حتى على مستوى الطوائف المسيحية التي أزهقت ملايين الأنفس في صراعها البَيني على احتكار الحقيقة لنفسها وشيطنة كل من لم يسر في ركابها ولم يدخل حظيرتها، ثم شنت من ذات المنظور حروباً صليبية على العالم الإسلامي طيلة قرنين من الزمن!

ومن يقرأ تأريخ القرون الوسطى في أوروبا بوعي؛ يدرك أن نشأة التيار البروتستانتي إنما كان بتأثر قادته بالثقافة الإسلامية التي كانت نموذجا عالميا في الرقي الحضاري الذي برز من خلال مظاهر كثيرة، ومن أهمها التسامح في المتغيرات مع الغيرة على الثوابت؛ مما أوجد مساحة واسعة للتعدد والتنوع، فنشأت الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية والطرق الصوفية والتيارات الفلسفية والاتجاهات الاجتماعية، ولتصطرع العقول دون أن تضطغن القلوب، ولتتنوع الآراء دون أن تتعدد الرايات، ولا يلغي هذه الحقيقة بالطبع وجود بعض الانغلاق هنا أو التعصب هناك وخاصة في القرون الأخيرة.

وبفعل من الضغط الذي مارسته البروتستانتية التي كانت تتقدم باستمرار، وبعد شلالات من الدماء وأكوام من الجثث التي سقطت في الحروب الدينية (الطائفية) في أوروبا؛ تراجعت الكاثوليكية عن المقاومة وتوصل الحداثيون إلى ضرورة فصل الدولة عن الكنيسة وتطبيق العلمانية التي تجعل الدين لله والوطن للجميع، وتفترض أن البشر متساوون في الكرامة وأن الحقوق ينبغي أن تكون متساوية وفق قواعد صارمة لا استثناء فيها لأي أحد مهما كان دينه أو طائفته أو عرقه!

ورغم قيام الدولة المدنية الحديثة فقد ظلت البلدان ذات الخلفية الكاثوليكية هي الأقل قبولا بالآخر والأشد جرما في حق الشعوب التي استعمرتها، وفي هذا السياق شن البرتغاليون والإسبان حروب إبادة جماعية ضد مسلمي شبه جزيرة أيبيريا في أوروبا عبر حروب دموية وما عرف بمحاكم التفتيش الرهيبة، ثم ضد الشعوب التي غزوها في شرق إفريقيا التي كان بعضها يتبع لسلطنة عمان، وضد كثير من جزر المحيط الهندي التي كان أغلب أهلها يدينون بالاسلام، وعلى رأسها الفيليبين التي قتل ملكها المسلم وتم تفريغ معظم جزرها من السكان المسلمين بطرائق شتى، وتم تغيير اسمها من (عذراء ماليزيا) إلى (الفيليبين) نسبة إلى ملك إسبانيا في ذلك الزمن!

وفي الموجة الثانية من الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي كانت فرنسا وإيطاليا الكاثوليكيتان هما الأكثر إجراماً في حق الشعوب المقهورة، كما فعلت فرنسا في الجزائر وإيطاليا في ليبيا، مما لم يحدث له نظير في مستعمرات البلدان البروتستانتية وعلى رأسها بريطانيا !

ويتضح من هذه المقدمة التأريخية أن البلدان الكاثوليكية هي الأقل هضما لثقافة المساواة بين الشعوب والأشد ميلا لاجتثاث الآخر وفي المقدمة المسلمين، فهم من فتحوا أنحاء واسعة من أوروبا، سواء في الموجة العربية التي فتحت شبه جزيرة أيبيريا ووصلت إلى جنوب فرنسا مقيمة حضارة أندلسية عظيمة استمرت زهاء ثمانية قرون، أو الموجة العثمانية التي فتحت معظم بلدان شرق أوروبا وصولا إلى فيينا وجنوب إيطاليا.

وقد حاول الغرب في العصر الحديث التظاهر بالانبتات عن الميراث التأريخي المثقل بجرائم استئصال المخالفين من الأديان والثقافات الأخرى بل والمختلفين في إطار الثقافة الغربية الواحدة، لكن المحكات العملية تُبرز هذا العداء إلى العلن ولاسيما في البلدان الكاثوليكية التي تزدهر فيها دعوات الصدام الثقافي وصراع الحضارات أكثر من غيرها!

وتنبعث هذه الدعوات الاستئصالية بصورة أشد في فرنسا التي تعتبر نفسها زعيمة العالم الكاثوليكي وممثلته الدائمة في مجلس الأمن الدولي الذي يجتهد أعضاؤه في أن يتحكموا بمقاليد العالم تحت شعارات إنسانية براقة!

وفي هذا السياق تأتي مخاوف الرئيس الفرنسي ماكرون من موجات النزوح واللجوء التي يقوم بها مسلمون، في بلدان تعاني من حروب لم يكن العامل الخارجي غائبا في إشعال أوارها وإشاعة أوزارها؛ وذلك حتى لا تتحرر الشعوب من ربقة الاستبداد الذي وضعه الأوروبيون حارسا لميراثهم الاستعماري بعد أن أجبرتهم حركات التحرر على أن يأخذوا عصاهم ويرحلوا!

وفي ذات السياق تأتي مخاوف ماكرون ومن على شاكلته، من انبعاث المارد العثماني من جديد في تركيا، حيث يسابقون الليل بالنهار من أجل تحجيم تركيا وتفجير الألغام المزروعة في طريقها، سواء كانت قنابل عرقية وطائفية وسياسية داخل البلد أو خارجها على شكل قنابل حدودية ذات خلفيات عصبوية متنوعة!

وفي هذا الإطار يأتي انحياز ماكرون الكامل والمندفع إلى جانب اليونان ضد تركيا وإلى جانب القبارصة اليونانيين ضد القبارصة الأتراك، وأخيرا انحاز بكل وضوح بجانب أرمينيا الأرثوذكسية ضد أذربيجان الشيعية؛ لأنها تحظى بدعم من تركيا!

ومع حرص الساسة الغربيين على عدم إطلاق تصريحات واضحة تنتقد الإسلام ذاته أو ما يشي عن استبطانهم لخلفيتهم المسيحية في قراراتهم ومواقفهم؛ خوفاً من إيقاظ المارد الإسلامي الذي ذوى في نفوس المسلمين بفعل من موجات الغزو الثقافي ومخلفات عصور التخلف التي أورثت كثيرين من المسلمين تديناً سلبيا باردا، رغم هذا الحرص إلا أن الرئيس الفرنسي ماكرون دأب في الفترة الماضية على إطلاق تصريحات تنتقد الإسلام ذاته وتتهمه بأنه يعاني من أزمة وأنه يدفع بالمسلمين نحو الإرهاب، بل ويعلن أنه بصدد اتخاذ إحراءات عديدة لإيجاد إسلام فرنسي!!

وقد وصل الأمر بماكرون إلى حد ظهوره بكل وضوح وهو يدق طبول الحرب ضد الإسلام في تطبيق عملي لأفكار رواد (صدام الحضارات) وعلى رأسهم المفكر الأمريكي صموئيل هنتجتون الذي نظّر لهذا الأمر في كتابه الشهير الذي ظهر منذ نحو ثلاثة عقود ولقي احتفاء بالغا من اليمين الغربي بينما انتقده التيار الإنساني في الغرب!

ويبدو ماكرون بدعوته الأوروبيين للتصدي للإسلام وللأتراك، في الفترة الأخيرة، وكأنه قد أزال المسافة بين حزبه وبين اليمين الفرنسي المتطرف الذي يرى أن المسلمين خطر كبير يحدق بالثقافة الغربية والفرنسية منها بالخصوص، أن لم يتم طرد المسلمين من أوروبا وإبقاء من تشتد الحاجة إليهم تحت صور من الرقابة والاستعباد!

ويبدو أن ماكرون قد أعلنها صريحة مدوية بعد أن كانت خَفيةً مضمرة؛ حينما رأى أنظمة عربية عديدة قد صارت غربية أكثر من الغرب ذاته وصهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم، وصارت تلقي بكل ثقلها في ذات المعترك الذي يتهم الإسلام بالتخلف ويصم المسلمين بالإرهاب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

Go to top