التقريرالاستراتيجي السنوي الحادي عشر 2025 - الجزء الأول / الحالة العربية

الحمد لله رب العالمين .. «علم الإنسان ما لم يعلم» ... والصلاة والسلام على نبيه الذي اصطفى، وبعد؛

يدخلُ العالم في عامي 2025-2026 نفقاً تاريخياً يتجاوزُ مفهوم "الأزمة" ليلامسَ تخوم "التحوّل البنيوي" الشامل؛ حيث لم يعد الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية للتدافع، بل غدا المختبرَ الأول لولادة "عالم ما بعد اليقين الأطلسي". إن القراءة العميقة في ملفات هذا التقرير تكشف لنا عن مشهدٍ سائل، انكسرت فيه القواعد القديمة التي أرساها القطب الواحد، لتبرز مكانها "براغماتية سيادية" صلبة، تنتهجها القوى الإقليمية (كالسعودية، وتركيا، ومصر، والجزائر) التي ما عادت تقبلُ بالتموضع في معسكراتٍ جاهزة، بل باتت توزعُ مصالحها بين "بريكس" والناتو، وتشتري السلاح من الغرب لتبيع الطاقة للشرق، في فلسفةٍ جديدة تضعُ "السيادة الوطنية" فوق "التبعية الأيديولوجية".

على المسرح العالمي، نلحظُ تراجعاً للمظلة الأمريكية التي باتت تعاني من "تصدعات أطلسية" داخلية، مما فتح الباب على مصراعيه لروسيا والصين لاستثمار هذا الفراغ في "الجنوب العالمي". هذا الانحسار لم يترك الإقليم في سكون، بل أدى إلى ولادة تحالفات "هجينة" وغير مسبوقة؛ كالتحالف السعودي الباكستاني الذي يمزجُ بين الثقل المالي والعمق النووي لخلق توازن ردعٍ مستقل، والتكامل الدفاعي القطري التركي الذي وصل ذروته. إننا أمام "أركيولوجيا" حقيقية، تنقبُ في ركام المنظومات التقليدية لتبني فوقها "سيادات بديلة" تعتمدُ على التحكم في الممرات البحرية (باب المندب والمتوسط والخليج) وسلاسل توريد الطاقة التي غدت "تُحرس بالرصاص" وتُدار بالذكاء الاصطناعي.

وفي خضم هذا التحول البنيوي، لا تكتمل صورة المشهد دون التوقف عند الانعطاف الحاد الذي فرضه قرار 'ترمب' وتوجهات إدارته؛ إذ مثّل هذا المسار محاولةً لـ 'تأميم المستقبل' عبر استهداف الروافع الأيديولوجية والسياسية للإقليم. لقد سعت هذه السياسات إلى إزاحة حركات الشعوب في المنطقه من معادلة الفعل السياسي، ومحاصرتها في زوايا 'التهديد الأمني' لإخلاء الساحة لمشاريع 'السيادة البديلة' التي تتبناها بعض الأنظمة. إن قرار 'ترمب' لم يكن مجرد إجراءٍ إداري، بل كان محاولةً لفك الارتباط بين 'الهوية الإسلامية' و'الفعل السياسي'، وهو مي}كد اصدامه بواقع الشعور العربى والاسلامى الرافض للهيمنه الترامبيه والصهيونيه .

أما في القلب النابض لهذا الإقليم، فإن "طوفان الأقصى" وما تبعه من تداعيات في عامي 2024 و2025، لم يكن مجرد حدثٍ عسكري، بل كان "الزلزال" الذي كشف عورة "الردع الإسرائيلي" وأعاد تعريف الصراع كمعركة وجودية تتجاوز الوكلاء لتصل إلى المواجهة المباشرة. وفي الوقت الذي يحاول فيه الكيان الصهيوني الهروب إلى "الاستيطان" في الضفة لتعويض عمقه الأمني المفقود، تبرز المقاومة الفلسطينية كمتغيرٍ "بنيوي" لا يمكن تجاوزه، مدعومةً بحاضنةٍ شعبية أعادت الاعتبار لـ "الهوية الوطنية" كحائط صدٍ أخير أمام مشاريع التصفية.

إن الربط العضوي بين هذه الملفات يقودنا إلى حقيقةٍ فلسفية-سياسية واحدة: إن عام 2026 لن يكون عام الاستقرار، بل عام "الحسم اللوجستي والرقمي". ففي عالمٍ تتصارع فيه "الدول الضامنة" مع "الميليشيات التكنولوجية"، وتتحكم فيه الخوارزميات في مصائر الشعوب بقدر ما تتحكم فيه فوهات المدافع، يجد الشرق الأوسط العربي والإسلامي نفسه أمام فرصةٍ تاريخية لانتزاع مكانته كـ "قطبٍ طاقوي" وسيادي، شريطة أن ينجح في تحويل "وحدة المصير الميداني" إلى "رؤية استراتيجية موحدة" تتجاوزُ الانقسامات البينية لتواجه مخاض الأقطاب العالمية الجديدة بكل جسارة واقتدار.

يقف التقرير الاستراتيجي للعام الحادي عشر (2025)، توالياً، على أبرز الملامح الإقليمية، وعلى المتغيّرات المؤثرة في تشكّلها، ويستشرف ملامح الحالة الإقليمية للعام 2025. كما يقف على المتغيرات القُطْرِيَّة والإقليمية والدولية ... ويحلل تفاعلاتها .. ويستشرف مآلاتها.

ويسرنا في جمعية مجموعة التفكير الاستراتيجي، أن نضع بين يدي الجهات السياديه و الجمهور العربي والنخب والباحثين والمتخصصين، تقريرَنا الاستراتيجي الحادي عشر؛ باكورة العقد الثاني؛ الذي أنتجه مجموعة من الخبراء والباحثين أصدقاء الجمعية ومراكزها في المجموعة، وهو جهد تشاركي يسعى لتطوير أفق التفكير والوعي الاستراتيجي لدى قطاعات المسؤلين والقاده والشباب وجمهور المتخصصين والباحثين في الجامعات والمراكز البحثية في المنطقة العربية، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الأنشطة والمشاريع والمبادرات والمخيمات والدورات التي قامت بها الجمعية لإيجاد بيئة وعي استراتيجي وازنة، في تهيئة جيل من الشباب العربي والإسلامي، ليقوم بدور في تنمية البلدان والأوطان بوعي واتزان أمام فوضى المستجدات والمتغيرات الاستراتيجية العالمية والإقليمية والمحلية التي تضرب المنطقة بعواصفها.

وأخيراً؛ نتقدم بجزيل الشكر لجميع الإخوة الباحثين الذين قاموا بإنتاج هذا التقرير وللإخوة الذين تابعوا خطة تنفيذ هذا التقرير في الجمعية، والذي يتمثّل في 3إصدارات رئيسية (تقرير الحالة العربية) - تقرير الحالة الإقليمية والدولية - تقرير الحالة العامة).

متمنياً لجميع الباحثين، والمتابعين، والقراء، والمؤسسات الأهلية والحكومية، أن يَستفيدوا أجمعون من هذا التقرير السنوي، وأن يخيّم السلام والأمان في ربوع الأوطان والأبدان، بحفظ الرحمن الكريم المنان.

محمد سالم الراشد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Go to top