د.فادي شامية – مركز أمية للبحوث و الدراسات و الاستراتيجية

شكّل التكافل الاجتماعي على مر العصور؛ أحد أوجه مناعة المجتمعات والأفراد في آن معاً. التكافل الذي يعني التضامن بين أفراد المجتمع لإعانة بعضهم بعضاً، هو:
1- حماية للمجتمع من الأمراض الاجتماعية؛ الغل والحسد والتباغض…
2- حماية للمجتمع من الجريمة، لأن الحاجة وتزايد الفروق الاجتماعية تزيد من دوافع الإجرام.
3- التخفيف من المشكلات الاقتصادية المرتكزة على تضخم رأس المال وتركزه بأيدي قلة.
4- تطوير للقدرات المجتمعية؛ من خلال إطلاق طاقات أفراده نحو الإنتاج المبدع بدلا من سجنهم في أتون تأمين القوت اليومي.
5- علاج نفسي اجتماعي لمتلقي الإحسان من جهة، وللمحسن من جهة أخرى.
لقد حض الإسلام على التكافل؛ فجعل من أحكامه ما يجبر الناس على هذا الفعل. من قبيل؛ تحريم الكنز، ووجوب الزكاة المفروضة، والحض على الصدقات، وأداء الدية.. فضلا عن إعادة توزيع رؤوس الأموال بنظام الإرث، وفرض حدودٍ للوصية، وتوزيع الخراج.

>وإذا كان تقديم العون منوطا بحدود الاستطاعة، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، فإن الإسلام تدرج في درجات الحض أو الوجوب تبعا لقرب الدائرة المحتاجة من صاحب الإحسان؛ فالتكافل الأسري يأتي أولا، ثم التكافل على مستوى الجماعة الأقرب (الحي، المنظمة، الشريحة الاجتماعية أو المهنية التي ينتمي إليها..) ثم التكافل على مستوى الوطن، ثم التكافل خارج الوطن للمسلمين أينما وجدوا، أو حتى غير المسلمين عند الحاجة.. وصولا إلى التكافل المستقبلي؛ حيث يقوم الجيل الحاضر بادخار العون للأجيال اللاحقة مخافة أن يصيبهم العوز أو تقل الموارد عن سد حاجاتهم، حيث يعتبر نظام الوقف درة التاج في هذا النوع من التكافل.

وبالتأكيد؛ فإن الدافع وراء ذلك كله؛ القناعة التي يرسخها الإسلام – والشرائع السماوية كلها- أن المال لله. قال تعالى: (وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، وأن بذله من أكبر القربات إلى الله، وأن أثره باقٍ وإن انتهى أجل الحياة لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). كما أن البذل يورث السعادة والشفاء كما ثبت في الدراسات النفسية، لدرجة اعتبار الإحسان دواءً للمحسن الذي يعاني من المشكلات النفسية، بما يزيد أضعافاً عن معالجة المشكلات المالية التي يعاني منها متلقي الإحسان.

لقد زاد وباء كورونا -الذي حل على البشرية منذ ما يقرب من عام- من حاجة الناس إلى التكافل الاجتماعي، لا سيما في الدول الفقيرة، وغير القادرة على تأمين حاجات مواطنيها، فصار لزاما على المستطيع أن يقف إلى جانب غير المستطيع، وعلى أرباب العمل أن يتجاوزوا عن تخلف عمالهم عن العمل بقوة الحظر والتعطيل الاجتماعي، وعلى القادرين على المبادرة أن يبذلوا الجهد لمساعدة الآخرين.

والأهم أن كورونا نقل فلسفة التكافل الاجتماعي، في البلدان المتعددة الطوائف والمذاهب، كما هي حال بلدنا لبنان، من تكافل قائم على أساس الولاية بين المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) إلى تكافل قائم على أساس البر بين الناس: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). ومعلوم أن الله حض على البر وجعله وشيجة في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين عندما قال: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

وكما في مفهوم الإحسان؛ فقد فرضت كورونا تطوراً في صور هذا الإحسان، بعيدا عن الأوجه التقليدية لفعل الخير المعروفة مثل: كفالة اليتيم، ومساعدة العجزة والفقراء… إذ صار الاهتمام بالجسم الطبي، ماديا ومعنوياً؛ أساساً في الإحسان، كما فرضت الجائحة صوراً للتكافل لم تكن معهودة من قبل، على سبيل المثال لا الحصر؛ تأمين السكن للمحجورين، والقوت اليومي للمحجوزين بفعل الحظر وإقفال البلاد ومنع التجول، وتوفير مواد النظافة والتعقيم للبيوت والأبنية، وسداد الديون عمن تخلف عن ذلك بسبب تعطل أعماله.. كما فرضت الجائحة تقديم العون للطلاب عبر توفير أجهزة تواصل الكتروني لا يمكنهم بدونها التعلم عن بعد، إضافة إلى جمع ما لا يحتاجه أناس لتقديمه إلى من يحتاجه من الناس.

كما شكّل الدعم المعنوي وجها لافتا من أوجه الإحسان؛ للمحجورين والمحجوزين، كما للأطفال المحرومين من حقهم باللعب والترفيه، حيث بادرت جمعيات أهلية، لتسيير مسارح متنقلة، وتوزيع الهدايا على الناس، وتقديم العروض الترفيهية التي يمكن مشاهدتها من على الشرفات.

جائحة كورونا؛ هي تحد أخلاقي، بقدر ما هي تحد طبي؛ فمن حبس العون وهو قادر، فقد رسب في الاختبار أمام نفسه وأمام الناس وفي ميزان العدالة الإلهية، والتباعد الجسدي الذي فُرض علينا لا يعني -ولا ينبغي أبدا أن يعني- التباعد الروحي، بل المفترض أن يزداد قرب الناس من بعضها، وقد جمعتها المصيبة، وحل في دارها من لا يميز بين عرق أو دين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

Go to top