محمد فاروق الإمام – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

وصف الرئيس دونالد ترامب سورية ذات مرة بأنها “رمال ودماء”، وأرض يمزقها الصراع حيث من المفترض أن تُنشر أنباء البراميل المتفجرة وقصف المدفعية والطائرات؛ التي تحمل الموت والدمار بدلاً من نشرة الطقس.

وأثار هذا التعليق الكثير من الجدل في ذلك الوقت من خبراء ومعلقين، لكن من يمكنه لوم ترامب على وجهة نظره بأنَّ سورية قضية خاسرة بالنسبة لأمريكا.

نحن نعرف رأي ترامب عن سورية، لكن ماذا عن رأي الرئيس المنتخب جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس الأسبق باراك أوباما؟

كثير من الساسة والمحللين والكتاب يرون أن بايدن يمكن أن يُصنف من ضمن معسكر المؤيدين للتدخل في سورية، إلا أن الواقع يشير إلى أن بايدن كان أحد المتشككين الرئيسيين في إدارة أوباما بشأن ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في سورية غير المساعدات الإنسانية، وكان دائماً يعارض تزويد المعارضة بالسلاح ورفض إرسال قوات أمريكية إلى سورية.

ومثّل موقف بايدن المعارض آنذاك تناقضاً شديداً مع زملائه في ذلك الوقت، بمن فيهم مدير وكالة المخابرات المركزية ديفيد بتريوس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ووزير الدفاع ليون بانيتا، الذين عملوا معاً لتقديم خطة إلى البيت الأبيض تنص على إنشاء جيش ثوار جديد بهدف الإطاحة بالديكتاتور السوري من السلطة.

وذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” في تقرير نشرته يوم 8/تشرين الثاني الحالي، أن أوساطاً في واشنطن تتوقع أن تصبح السياسة الأمريكية حول سورية أكثر فعالية مع المجتمع الدولي في حال فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الأمريكية المقبلة.

كما توقعت هذه الأوساط أن تكون السياسة الأمريكية أكثر فعالية مع المجتمع الدولي وستسعى إلى الرأي الجماعي وليس القرارات الفردية، مع الحفاظ على بعض القوات العسكرية على أرض الميدان في شمال شرق سورية.

وأبلغ أحد مستشاري حملة بايدن بعض أفراد الجالية السورية في أمريكيا: إن إدارة بايدن في حال تشكلها ستوضح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يمكن أن يكون هناك دعم أميركي أو أوروبي لإعادة إعمار سورية في ظل غياب إصلاح سياسي.

وقال مستشار بايدن إنه لا بد أن يكون ذلك الإصلاح ذا مغزى وحركة موثوقة بشأن القضايا الإنسانية والمساءلة الرئيسية، مؤكداً على ضرورة الإفراج عن السجناء، مع إبقاء العمل بالعقوبات الأميركية على النظام والكيانات التي تتعامل معه، بما في ذلك الروسية.

وأضاف أن التواصل الأمريكي الدبلوماسي في عواصم العالم والأمم المتحدة سيعود مرة أخرى لمواجهة الدعاية الروسية التي تسعى إلى تصوير الأسد كضحية للعدوان الغربي، والتي تسعى إلى إقناع العالم بإعادة بناء البلد الذي دمره، مشيراً إلى أن إدارة بايدن ستستخدم التواصل الدبلوماسي لإعادة تأكيد القيادة الأمريكية، لدعم إجراءات خفض التصعيد والعملية السياسية.

وحول مصير القوات العسكرية الأمريكية في سورية، أوضح بأن بايدن سيحافظ على وجود قوات عسكرية في شمال شرق سورية لأنها أظهرت أنها رادع للغارات الجوية الروسية والأسدية.

أما بالنسبة للوضع في إدلب، بيّن مستشار بايدن بأنه سيتم البحث عن طرق لتعزيز العمليات التركية في إدلب التي تحمي حالياً ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص من العدوان الأسدي والروسي، قائلا: “بغض النظر عن خلافاتنا مع تركيا حالياً، ندرك تأثير عملياتها في إدلب على الحفاظ على حياة السوريين، وسنعمل معاً حول ذلك.

ونوه إلى أن موافقة الحزبين الأمريكيين على “قانون قيصر” في الكونغرس تؤكد مدى أهمية قيام إدارة بايدن بدورها في محاسبة النظام على جرائمه، معتبراً أن العقوبات أداة ضرورية ضمن أدوات السياسة الخارجية، وفرض عقوبات على النظام ليس سوى واحدة من عدة أدوات اقتصادية ودبلوماسية مهمة يجب أن تشكل معاً سياسة تعزز العدالة والمساءلة، ويدفع باتجاه تسوية سياسية للحرب السورية.

ويعتقد بعض المحللين السوريين أن سياسة جو بايدن تجاه الملف السوري مخيبة للآمال، وليس بها جديد عن سياسة الرئيس السابق باراك أوباما، مؤكدين أن هناك نقاطا في الحديث مع مستشار حملة جو بايدن لم يتم التوافق معهم فيها.

وكانت صحيفة “ناشيونال انترست” الأمريكية أشارت إلى أن جميع المعطيات المتوفرة تدل على أن بايدن سيدعم وجود وحدة صغيرة من الجيش الأمريكي في المنطقة الشمالية الشرقية من سورية، وأنه ليس لديه أي مصلحة بالتدخل عبر استخدام القوة من أجل الإطاحة ببشار الأسد.

وقال جو بايدن بعيد إعلان فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية: إن هناك الكثير من العمل الشاق في انتظاره وعليه البدء به، ولكن يبدو أن الملف السوري بعيد عن قائمة أعمال الرئيس الجديد، تماماً كأحاديثه النادرة في خطابات سابقة له خلال حملته عن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه سورية إن أضحى في سدة الحكم.

وسبق أن أبلغ أحد مستشاري بايدن أفراد الجالية السورية في أميركا أن إدارته ستطالب بضرورة الإفراج عن السجناء وتبقي على العقوبات المفروضة على النظام، وامتناع إدارته عن الانخراط في ما يسمى بـ”إعادة إعمار سورية حتى يتوقف أسد عن ارتكاب فظائعه ويرضخ لمبدأ تقاسم السلطة”، ولا مانع من الاحتفاظ بوجود عسكري صغير لقوات بلاده شمال شرق سورية.

لكن مساعي بايدن الراهنة تجاه الملف السوري بدت أكثر تسامحاً وبروداً مع نظام أسد، خلافاً لتصريحات سابقة له، والتي جاء أبرزها في مقابلة متلفزة أجراها مع قناة “CBS” الأمريكية انتقد فيها بايدن وبشدة إدارة أوباما في التعامل مع الملف السوري، داعياً إلى اتخاذ إجراءات “أكثر عدوانية ضد الديكتاتور بشار أسد.

لكن بايدن تخلى في خطاباته عن لغة التدخل والعقاب مكتفياً بوعود حول زيادة المشاركة العسكرية الأميركية في سورية ومضاعفة الضغط على رأس النظام بشار أسد، إلا أن صحيفة “الواشنطن بوست” علقت على وعود بايدن بالقول إنها الوعود نفسها التي لم يفِ بها الرئيس الأسبق باراك أوباما، والتي كان يسمعها السوريون من الولايات المتحدة منذ ١٠ سنوات.

ما عزز من صحة رؤية “الواشنطن بوست” وفاقم من مخاوف تكرار السياسة تجاه سورية، هو استعانة الرئيس الجديد بستيفن سايمون المسؤول السابق في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في سورية، حيث سبق للإدارة أن أعلنت عن “خط أحمر” لم يطبق، واعتبرت موسكو ضامناً لإزالة الأسلحة الكيماوية من نظام أسد الذي لا يزال يستخدمها، ووعدت بتسليح المعارضة السورية.

وفي المنحى ذاته، خلص تقرير نشرته صحيفة “ناشيونال إنترست” الأمريكية اعتبرت فيه أن بايدن ليس لديه أي نية للتدخل واستخدام القوة للإطاحة ببشار أسد، وجل المعطيات المتوفرة تشير إلى اهتمام بايدن في سورية “هامشي” يقتصر على وجود عسكري صغير شمال شرق البلاد.

وفي لغة السياسيين، نشر السفير الأمريكي السابق لدى سورية روبرت فورد في 28 من تشرين الأول الماضي مقالاً “مخيباً للآمال” يرى فيه أنه لا يوجد “خلاف جوهري” حول سياسة ترامب وبايدن تجاه الملف السوري.

وسيشجّع الموقف الأمريكي هذا بعض الدول الخليجية والعربية أيضاً على استكمال جهودها الحثيثة لإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية وتفعيل العلاقات الدبلوماسية معه بعد أن كانت إدارة ترامب قد عرقلت هذه الجهود مؤخراً. مصر والإمارات والسعودية ستتصدر هذه الجهود من جديد، والمفارقة أنّ جهود هذه الدول في هذا المضمار ستلتقي كذلك مع جهود الدول العربية المحسوبة على الخط الإيراني كلبنان والعراق على سبيل المثال.

في نهاية المطاف، ما لم يقم بايدن باعتماد منهج مغاير لما اعتمده أوباما، فليس على أحد أن يتوقع أي نتائج مختلفة عن السياسة الكارثية السابقة. في المقابل، سيكون من الصعب على أنصار بايدن أن يجادلوا بأنّه قادر على الموازنة بين الانفتاح على إيران واستعداء تركيا من جهة، وبين زيادة الضغط على نظام الأسد ومنع الدول الخليجية من استكمال جهود التطبيع من جهة أخرى. لن تكون المهمّة صعبة ضمن هذه المعطيات فحسب وإنما مستحيلة، وسيبقى نظام الأسد المستفيد الوحيد.

 المصدر

*عربي بوست-22/9/2020   

*أورينت-1/11/2020-و8/11/22020

*أنا إنسان-8/11/2020

*تلفزيون سورية-3/11/2020

*صحيفة حبر-27/9/2020

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

Go to top