هل انتهى التهافت على التطبيع بعد الانتخابات الأمريكية؟

د.ناجي خليفة الدهان – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

يواصل الكيان الصهيوني -منذ نشأته وإلى اليوم- انتهاكاته للمقدسات وعلى رأسها القدس، فليس غريبا أن يعلن ترمب القدس عاصمة للكيان الغاصب، فبعض الحكام مشاركون في العملية وبعضهم بصم على الموضوع قبل عشرات السنين، وبعضهم دفع الأموال لترمب ليقدم على إعلانه الحقير، حيث اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل دون أن يرف له جفن رغم تجنب الرؤساء السابقين هذه الخطوة لأكثر من عقدين.

الصهاينة يخططون منذ سنوات لقطف ثمار مؤامراتهم، حيث قاموا بإدخال العرب في حروب طائفية استهلكتهم واستنزفت مقدراتهم، ثم نجحوا إلى حد بعيد في تشويه صورة الإسلام وجعله مقترنا بالإرهاب ومن ثم سهلت مهمتهم في احتلال القدس.

مرة أخرى يبرهن بعض الحكام العرب على أنهم مجرد دمية تتحرك وفق مصالح الغرب. وضمن هذا السياق جاء الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي والدول المطبعة كمحاولة لإنقاذ الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء إسرائيل من أزمة مصيرية، لذا قررا أن يضحيا بالأنظمة التابعة لهما، وكان الدور هذه المرة على حكام الإمارات والبحرين والمغرب الذين تربطهم بالإدارتين الأمريكية والإسرائيلية تحالفات معروفة. ولم تنفع تبريراتهم بأنهم عقدوا الاتفاق من أجل إلغاء ضم الضفة لإسرائيل حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في يوم الإعلان عن الاتفاق بأن خططه لضم الضفة مستمرة وأنه أجلها بناء على طلب ترامب مراعاة لمتطلبات مسرحية الاتفاق الثلاثي.

الاتفاق نقل العلاقات الحميمة بين أبو ظبي و”إسرائيل” من تحت الطاولة إلى فوقها، للأمانة كان حزننا نحن العرب إلى ما وصلنا إليه من الخنوع والاستسلام فقط على مستوى الشارع العربي.

ما هي المكاسب التي خرجت بها الدول المطبعة من تتويج نِتنياهو زعيمًا يفرض الجزية على شُعوب المِنطقة؟

فهل بيع فِلسطين تطبيقًا لصفقة القرن؟

وهل التّنازل عن القدس وأقصاها، والخُروج عن كُل الثّوابت العربيّة والإسلاميّة، يوم تاريخي؟

ماذا تعمل الدول المطبعة بعد خسارة ترامب الانتخابات؟

هل تقع دول العربية أخرى في فخ التطبيع مع إسرائيل؟

تردي الواقع العربي والتطبيع

يربط بعض المفكرين العرب حالة التردي الحاضرة في الأوضاع العربية، إلى ذلك الحدث الحاسم في مسيرة تاريخ العرب الحديث، والذي يتعارف العرب على تسميته بـ “هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967″، ليس فقط لأن الهزيمة شهدت انهيار حلم الجماهير العربية، وكشفت عن الحقائق الفعلية، نتيجة تلك الصدمة المريعة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية حتى الآن، بعد مرحلة الاستقلال الوطني، بل لأن الهزيمة كانت حدًا فاصلًا، وبداية لسلسلة من الهزائم السياسية والعسكرية وحتى الفكرية التي تكبدها العرب.

بعد تلك الهزيمة، دارت حوارات بين النخب السياسية حول العلاقة مع “إسرائيل”، إلى أن تجرأ بعضهم واجتاز الخطوط الحمراء، التي وضعتها الجماهير العربية، واندفع نحو “التطبيع” كمفهوم سياسي وحتى ثقافي، وصار هذا المفهوم أحد الموضوعات المطروحة للنقاش في الحياة السياسية والثقافية العربية، لا بل أصبحت معظم الطبقات الحاكمة، تعلن صراحة أن التسوية “السلمية” مع ذلك الكيان الصهيوني، هي هدف استراتيجي لذلك الكيان، ومن المشروعات التي خطط لها الفكر الصهيوني، بمساعدة الولايات المتحدة، التي زادت من ضغوطها على معظم الأنظمة العربية للسير في ذلك الطريق المملوء في اللأفخاخ والألغام المتفجرة.

يمكن القول: إن توقيع اتفاقية “التسوية” بين مصر و” إسرائيل”، بعد زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، كانت كمؤشّر أول شجع الأنظمة العربية أو بعضها للقبول بما تفرضه الولايات المتحدة على تلك الأنظمة العربية، والتهافت الذي صدر عنها، كل ذلك أيضًا يعكس الرغبة في التخلص من المشكلة نهائيًا، حسبما تراه تلك الأنظمة. رغم ذلك، لا يمكن إغفال الأثر السيء لمعاهدة “كامب ديفيد”. لأنها جاءت على يد حاكم أهم قطر عربي في المواجهة.

إن ما جرى مؤخراً من اتفاقيات مع إسرائيل من قبل بعض الأنظمة العربية على “مبدأ السلام مقابل السلام” جاء على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، لما تمثله هذه الاتفاقيات من دعم للسياسات الإسرائيلية التي تواصل عدوانها على الحقوق الفلسطينية وتتمسك بقانون يهودية الدولة، الذي يشكل حجر الأساس لخطة تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.

لقد كانت منطلقات إسرائيل في بناء علاقاتها مع أي دولة عربية تكمن في زيادة النفوذ الإسرائيلي واختراق العالم العربي ومحاصرته وفق نظرية بن غوريون منذ خمسينيات القرن الماضي، مؤكداً أن تجربة أربعين عامًا من مسار التسوية والمعاهدات بين دول عربية وإسرائيل لم تحقق السلام والاستقرار في المنطقة ولم تحقق مصالح الشعب الفلسطيني.

بعد خروج مصر من المواجهة واحتلال العرق أدى إلى فقدان مراكز الثقل السياسي العربي واتخاذ بعض الأنظمة العربية من التدخلات الإيرانية في المنطقة ذريعة لتبرير علاقاتها مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، رغم أن العدو الإيراني لا يقل خطره عن الكيان الصهيوني، مؤكدين ضرورة وضع استراتيجية عربية على مبدأ أنه لا سلام مع إسرائيل دون حل عادل للقضية الفلسطينية.

 تمر الامة في زمن التدهور والانحدار بكل معنى الكلمة، المطبعين يهرولون إلى أحضان العدو، والأحرار تائهون عن الطريق، يحاربون في كل الجبهات إلا في فلسطين!! فكيف لا تكون القدس ثكلى؟

 وهزائم تلك الأنظمة العربية وخذلها للقضية، وعدم القدرة على التكيف مع الأوضاع المستجدة، في غير صالح القضايا العربية، وكذلك تفرد الأنظمة العربية، باتخاذ القرارات الحاسمة بمعزل عن إرادة الجماهير، إن قوى الشرّ إلى اليوم متداعية لتدمير هذه الأمة، وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، وإذلال رجالها، والأمة خانعة ذليلة، لم تغن عنها كثرتها شيئا، فهي غثاء كغثاء السيل، وعلتها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت)).

ضغوط واشنطن من أجل التطبيع مع إسرائيل

تنخرط إدارة ترامب في الضغط على الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل التي تحتل أراضي عربية، وترفض إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 كحد أدني، واختار ترامب الضغط على الدول الصغير ليجعلها كبش فداء، حتى تقتدي بها دول عربية أخرى كأبو ظبي والبحرين وتقيم علاقات كاملة مع تل أبيب، وسخر الإعلام الغربي لبث الإشاعة أن دولا أخرى على وشك القيام بخطوات مماثلة كحرب نفسية للتأثير على معنويات الأمة العربية وعلى الشعب الفلسطيني.

إن إدارة ترامب “تبذل كل إمكانياتها وقدراتها لمكافأة دولة الاحتلال (إسرائيل)، بالضغط على الدول العربية لعقد اتفاقيات السلام معها”. ورغم أن العلاقة بين إسرائيل وأمريكا استراتيجية منذ تأسيسها، لكن لم تقدم الإدارات السابقة على ما قدمت عليه إدارة الرئيس ترامب، فكادت تحصر كل جهدها لصالح الاحتلال، وابتلاع ما بقي من الأراضي الفلسطينية”، من خلال صفقة القرن، والاعتراف بالقدس الشريف عاصمة لدولة الاحتلال، والموافقة على ضم بقية الأراضي الفلسطينية والجولان (السوري)!

إن إدارة ترامب تفعل ذلك “دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين، والعرب والمسلمين، والقوانين الدولية والأممية، وكان الهدف التبشير بإنجاز نادر في السياسة الخارجية، والمساعدة في تعزيز حظوظ دونالد ترامب في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقررة.

وقال رون بن يشاي، وثيق الصلة بقادة الجيش والمنظومة العسكرية، في مقاله بصحيفة يديعوت أحرونوت، ترجمته “عربي21مبادرة ترامب للشرق الأوسط، حيث تستفيد إسرائيل من ثمارها، رغم أن هدفها بالمقام الأول خدمة الموقف الأمريكي، وأهدافه الاستراتيجية بالمنطقة، وحملة ترامب الانتخابية، فيما تحتل مصالح إسرائيل المرتبة الرابعة بالأولويات الأمريكية”. (1)

واشنطن تسعى لتحقيق أربعة أهداف من إسرائيل من اتفاقيات التطبيع.

  1. أهمها إعادة بناء معسكر مؤيد لأمريكا ومعاد لإيران، يشمل الدول العربية المعتدلة وإسرائيل، وهذا المعسكر، مع وجود إسرائيل كمعقل عسكري عضوية مفتوح، لديه قدرة أفضل على التعامل مع تهديدات إيران، حتى في الوقت الذي تقلص فيه الولايات المتحدة وجودها العسكري بالمنطقة”.
  2. زيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية للشرق الأوسط لتوفير وزيادة فرص العمل ومصادر الدخل للاقتصاد الأمريكي.
  3. يتمثل بالحد من التسلل الصيني والروسي إلى الشرق الأوسط كجزء من الصراع الاستراتيجي الشامل بين القوى العالمية الثلاثة، حيث تحاول بكين، وموسكو الاستفادة من انسحاب واشنطن لتوسيع نفوذهما في المنطقة، مع تحقيق مكاسب اقتصادية أيضاً”.
  4. تقوية قدرات إسرائيل السياسية والعسكرية في المنطقة وتعزيز مكانتها، وإجبار القيادات الفلسطينية على الاعتراف بأنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الدعم العربي التلقائي لجميع مطالبها من إسرائيل، ويتوقع أن يؤدي تعزيز إسرائيل لمواجهة الفلسطينيين لزيادة دعم ترامب في المعسكر المسيحي الإنجيلي وبين الناخبين اليهود الأكبر سنًا في فلوريدا وبنسلفانيا”.

ماذا بعد ترامب؟

صرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، بأن إدارة بايدن ستقوم بمراجعة مستمرة لمجموعة من السياسات بما في ذلك ما ستكون عليه التزاماتها ضمن اتفاقيات أبراهام” وهو الاسم الذي أطلق على اتفاقيات التطبيع التي وقعتها إسرائيل ودول عربية برعاية إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب خلال الأشهر الماضية.

لقد وقعت اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع “إسرائيل” بدوافع أمنية واقتصادية خاصة بالأنظمة الحاكمة، مما فاقم من الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة وسهّل الاختراق الإسرائيلي للموقف العربي المتمسك بالمبادرة العربية للسلام، وأثّر على ثقافة جزء من الجيل الجديد في النخبة العربية الحاكمة والنخب الثقافية، خاصة في دول الخليج تجاه الحق الفلسطيني وطبيعة الصراع، الأمر الذي انعكس سلبًا على القضية الفلسطينية.

إن التطبيع مع الكيان اللقيط لم يأتِ بليلة وضحاها كما تعلمون بل بالتنسيق الكبير من خلف الستار منذ زمن طويل!

 واغتيال المسؤول الفلسطيني الشهيد ((المبحوح)) عام 2010 في دبي دليل على أن الموساد يسرح ويمرح في هذه الدول، فكيف دخل فريق الموساد الصهيوني المتشكل من أكثر من 30 عميلا من الموساد، مطار دبي الدولي بجوازات سفر مزوه وخرجوا منها بعد أن نفذوا العملية؟

جاء التطبيع في هذا الوقت الحساس والمحرج في الواقع لرد الاعتبار لرئيس وزراء الكيان اللقيط الصهيوني (النتن ياهو) وانقاذه من السقوط في الهاوية ومحاكمته في إسرائيل! ومحاولة ترامب للحصول على دعم اليهود الأمريكان في انتخابات الامريكية، ولكن للأسف رغم كل ما قدمه للكيان الصهيوني فأن المرشح الثاني بايدن هو أكثر صهيونية من منافسه، ولبادين تصريح واضح من موقفه من إسرائيل حيث صرّح في مارس 2016، قائلا: «إذا كنت يهوديا فسأكون صهيونيا، والدي قال لي إنه لا يُشترط أن أكون يهوديا لأصبح صهيونيا (…) لأنني كذلك (صهيوني)»، وبذلك سوف يبدأ فصل آخر لابتزاز الحكام العرب ولكن بطريقة هادئة، لأن بايدن سياسي مخضرم يستخدم الحرب الناعمة للوصول إلى نفس الهدف.

الحكام العرب الذين يستمدون قوتهم من شعوبهم، عبَّروا عن إرادة شعوبهم، ورفضوا التطبيع، واعتبروا أن قضية فلسطين قضية مقدسة لا تُمس”، وفي المقابل فإن “الحكام الذين لا يعتمدون على شعوبهم، فهم ينقادون وراء أسيادهم، للمحافظة على كراسيهم وعروشهم!”.

كان شعار تحرير فلسطين يبدأ من إسقاط الأنظمة العربية الخائنة، ويبدو أن هذا الشعار سوف يعود مجدداً لاقتلاع هذه الأنظمة الخائنة ولابد من إعادة تشكيل المقاومة ومد جسورها مع الشعوب العربية في سبيل إعادة القضية الفلسطينية لتكون قضية العرب الأولى، ولكن ليست فلسطين هي الوحيدة المحتلة والمغتصبة، بل معظم الأنظمة العربية محتلة، محتلة في اراداتها وقرارها السيادي، لو أن أي نظام عربي يرفض ما تطلبه منه أمريكا وإسرائيل فإنه يعرف أين سيكون مصيره، ولذلك لا يجرؤ أي نظام مخالفة تعليمات أمريكا الصهيونية.

ورغم ذلك رفض الرأي العام العربي اتجاهات التطبيع التي تتبعها بعض الحكومات العربية مع الاحتلال الإسرائيلي، التي أعلنتها رسميا البحرين والإمارات والمغرب في الآونة الأخيرة، وبحسب استطلاع (2) رأي نشره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسية مطلع الشهر الماضي، فإن غالبية الشعوب العربية ترفض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد شمل الاستطلاع 28 ألف مشارك في 13 دولة عربية لا تشمل الإمارات. * وعليه فإن الجماهير العربية ستسقط هذا التطبيع ومن يرعاه ليكونوا عبرة للأخرين ولتبقى فلسطين حرة عربية.

المراجع

1.ما أهداف أمريكا من التطبيع بين الاحتلال ودول عربية؟ موقع عربي 21

https://arabi21.com/story/1310978

2.استطلاع: غالبية الشعوب العربية ترفض التطبيع مع الاحتلال / عربي 21

https://arabi21.com/story/1307651  /

* وأشار المركز إلى أن الاستطلاع جرى بين تشرين الثاني/ نوفمبر وتموز/ يوليو عام 2020، وأظهرت نتائجه أن 88 بالمئة من المواطنين العرب في البلدان المستطلعة ترفض الاعتراف بإسرائيل، من ضمنهم 85 بالمئة من المصريين، و91 بالمئة من الفلسطينيين، و93 بالمئة من الأردنيين، و65 بالمئة من السعوديين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

Go to top